في مكان هادئ من ريف تكساس الأمريكي، تقف مئات التلسكوبات في صفوف منتظمة، داخل مبان طويلة ذات أسقف متحركة. لا يظهر بجوارها فلكيون يضبطون العدسات، ولا هواة ينتظرون دورهم للنظر من خلال العينية. ومع ذلك، ما إن يحل الظلام وتسمح الأحوال الجوية حتى تبدأ الأجهزة بالاستدارة نحو أهداف مختلفة في السماء.
قد يكون صاحب أحدها في ألمانيا، والثاني في اليابان، والثالث في مدينة أمريكية لا يرى سكانها من النجوم إلا ألمعها. يفتح كل منهم حاسوبه، أو يترك برنامجه يعمل تلقائيا، فتتحول مزرعة التلسكوبات إلى مرصد موزع بين مئات العقول، يجمعها مكان واحد وتفرقها آلاف الكيلومترات.
هذه ليست صورة متخيلة لمستقبل علم الفلك، بل نموذج قائم بالفعل لخدمة تعرف باسم "استضافة التلسكوبات عن بعد" (Remote Telescope Hosting). ومن أبرز أمثلتها مرصد "ستارفرونت" (Starfront Observatories) في تكساس، الذي يقوم على فكرة بسيطة هي: امتلك تلسكوبك، واتركه في مكان أصلح للرصد من منزلك، وتول أنت توجيهه عبر الإنترنت.
بدأت قصة ستارفرونت عام 2024، عندما اجتمع المصور الفلكي براي فولز مع شركاء من بينهم جوش كيم وداستن غيبسون ونيت هانكس، لتحويل فكرة استضافة التلسكوبات إلى مشروع واسع النطاق.
لم يخترع هؤلاء الرصد عن بعد؛ فقد سبقهم فلكيون ومراصد إلى استخدام الإنترنت للتحكم بالأجهزة، لكنهم أرادوا إتاحة هذه الإمكانية لأعداد كبيرة من الهواة، بأسعار أقل من تكلفة إنشاء مرصد خاص.
وفي يوليو/تموز 2025، ذكرت مجلة "فاست كومباني" أن المشروع، الذي أقيم في حقل كان يستخدم لتربية الأبقار، أصبح يضم أكثر من 400 تلسكوب داخل 11 مبنى. وبحسب الموقع الرسمي للشركة، تجاوز العدد لاحقا 900 تلسكوب عامل.
وتبدأ رسوم الاستضافة من 99 دولارا شهريا للتلسكوبات الذكية الصغيرة، وترتفع إلى 149 و199 و299 و399 دولارا بحسب حجم الأجهزة والمساحة المطلوبة لحركتها. وهذا يعني أن مبلغ 99 دولارا ليس سعرا موحدا لجميع التلسكوبات.
تقع المزرعة قرب بلدة روكوود، بعيدا عن أضواء المدن الكبرى. وتصنف الشركة سماء الموقع ضمن الدرجة الثانية على مقياس بورتل، وهي من أشد درجات الظلام الطبيعي، حيث يمكن تصوير أجرام خافتة تحجبها أضواء المدن.
وتقول الشركة إن الموقع يتمتع بنحو 200 إلى 240 ليلة صافية سنويا، وهو ما يمنح التلسكوبات فرصا للرصد تتجاوز ما يتاح لكثير من أصحابها في المدن.
لكن اختيار الموقع لا يعتمد على الظلام وحده؛ فالمرصد يحتاج أيضا إلى كهرباء مستقرة، وإنترنت سريع، ومساحات كافية لحركة الأجهزة، وفنيين قادرين على التعامل مع أعطالها.
والارتفاع ليس شرطا مطلقا لنجاح هذه المزارع، فبينما اختارت ستارفرونت موقعا ريفيا مظلما في تكساس، تقع مراصد أخرى على هضاب مرتفعة، مثل منشآت "ديب سكاي ويست" (Deep Sky West) في نيو مكسيكو، على ارتفاع يقارب 2255 مترا. فالهدف هو الجمع بين صفاء الجو وقلة السحب والتلوث الضوئي واستقرار الرؤية.
تبدأ العملية بوصول التلسكوب والكاميرا وقاعدة التوجيه والحاسوب الصغير إلى المزرعة، ويثبت الفنيون الجهاز على عمود معدني ثابت، ويوصلونه بالكهرباء والإنترنت، ثم يضبطون اتجاه محوره بما يتوافق مع دوران الأرض.
بعد ذلك، يستطيع المالك الاتصال بحاسوبه الموجود في المزرعة عبر الإنترنت. ومن خلال برنامج التصوير الفلكي الذي يتحكم بالتلسكوب، يختار المجرة أو السديم المطلوب، ويحدد عدد الصور وأزمنة التعريض والمرشحات الضوئية.
وعندما يحل الليل، يستطيع البرنامج توجيه التلسكوب تلقائيا، ومتابعة حركة النجوم، وتصحيح الانحرافات الصغيرة، والتقاط سلسلة طويلة من الصور، ثم حفظها على الحاسوب أو نقلها إلى المالك.
وقد ينام صاحب التلسكوب بينما يواصل جهازه العمل لساعات. وفي الصباح، يجد حصيلة ليلة كاملة من الصور تنتظر المعالجة، دون أن يكون قد غادر منزله.
لكن كيف تترك مئات التلسكوبات مكشوفة للسماء دون أن يعرضها المطر أو الرياح المفاجئة للتلف؟ هنا يأتي دور منظومة مراقبة الطقس التي تتحكم في أسقف المباني المتحركة، فهي تعتمد على بيانات الأحوال الجوية وحساسات الأمان لتحديد متى يمكن فتح الأسقف ومتى يجب إغلاقها.
وتعرض ستارفرونت صفحة مباشرة لحالة المرصد، تتضمن حالة الأسقف، وصورة للسماء، وتوقعات صفائها، ومواعيد الغروب والشفق والفجر. وتحدد المزرعة موعدا لفتح الأسقف قبل الغروب بنحو 15 دقيقة، إذا سمح الطقس، وإغلاقها بعد الشروق.
أما إذا ساءت الأحوال الجوية، فإن أنظمة الحماية تستطيع إغلاق الأسقف. وتوجد بطاريات احتياطية لتشغيلها عند انقطاع الكهرباء، مع إمكانية تدخل العاملين لإغلاقها يدويا عند الضرورة.
وهكذا يستطيع المرصد العمل دون وجود مشغل بجوار كل تلسكوب، لكنه ليس منشأة مهجورة؛ إذ تؤكد الشركة وجود فنيين في الموقع على مدار الساعة.
قد تكون هذه أكثر التفاصيل إثارة في المشروع؛ لأن التلسكوب الذي يعمل على بعد آلاف الكيلومترات لا يستطيع صاحبه إصلاح سلك مفصول أو إعادة تشغيل حاسوب متجمد.
ولهذا توفر المزرعة وسائل للتحكم في الكهرباء عن بعد، تتيح إعادة تشغيل بعض الأجهزة بفصل التيار عنها ثم إعادته، عندما تكون موصولة بمقابس ذكية مناسبة.
أما الأعطال التي تتطلب تدخلا بشريا، فيتعامل معها الفنيون الموجودون بالموقع، بدءا من فحص التوصيلات وإعادة تشغيل الأجهزة، وصولا إلى ضبط المحاذاة البصرية وإصلاح مشكلات التوجيه.
وتشمل رسوم الاستضافة دعما فنيا أساسيا، بينما تبلغ تكلفة الصيانة المتقدمة 50 دولارا للساعة، وفقا للأسعار المنشورة على موقع الشركة. وبذلك تتولى المزرعة مسؤولية المكان والحماية والمساندة التقنية، بينما يحتفظ صاحب التلسكوب بالتحكم في أهدافه وبرامج رصده.
ولا تقتصر الفكرة على تكساس، ففي الولايات المتحدة تنتشر منشآت مشابهة في نيو مكسيكو، حيث تستفيد من المرتفعات والهواء الجاف والسماء المظلمة، ومنها "ديب سكاي ويست" و"دارك سكاي نيو مكسيكو" ومجمعات قرب بلدة باي تاون.
وتوجد خدمات للاستضافة والتصوير عن بعد في إسبانيا وتشيلي وناميبيا وأستراليا والصين، بما يتيح للهواة اختيار السماء الشمالية أو الجنوبية بحسب الأجرام التي يريدون تصويرها.
وتعرض شبكات مثل "أو إم آي أسترو" (OMI Astro) و"سكاي جيمز" (Skygems Observatories Network) تلسكوبات موزعة بين عدة قارات، يستطيع المستخدم استئجارها دون الحاجة إلى امتلاك جهاز خاص به.
وربما يكون المشهد الأكثر إدهاشا في ستارفرونت هو أن التلسكوبات المتجاورة لا تنظر بالضرورة إلى المكان نفسه. فأحدها يتتبع مجرة بعيدة، وثان يصور سديما ملونا، وثالث يبحث عن كويكب، ورابع يجمع ضوء نجم متغير.
وقد تتعاون عشرات الأجهزة أحيانا لتصوير جرم واحد؛ ففي مشروع جماعي عام 2025، جمع المشاركون نحو 1650 ساعة من التعريض الفوتوغرافي في منطقة من كوكبة الدب الأكبر.
ويقول الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة جوش كيم إن بعض العملاء تحركهم الرغبة في المشاركة باكتشاف علمي، بينما يريد آخرون التقاط صور مذهلة يشاركونها مع الأصدقاء والعائلة. وهنا تتجاوز الحكاية حدود التكنولوجيا.
فهناك، تحت سماء تكساس، تقف مئات الأجهزة متجاورة، لكن لكل واحد منها حكاية مختلفة، فصاحب يبحث عن جرم لم يكتشفه أحد، وآخر ينتظر صورة أجمل من صورته السابقة، وثالث يريد أن يرى بعينيه، ولو عبر شاشة، ضوء مجرة قطع ملايين السنين قبل أن يصل إليه.
وفي كل ليلة صافية، تتكرر هذه المشاهد في مراصد العالم، حيث يرفع آلاف الفلكيين والهواة عيونهم وأجهزتهم إلى السماء، كل بطريقته وطموحه.
وللهوايات وجوه كثيرة؛ فمن الناس من يعشق البحر، ومنهم من يجمع الطوابع أو يتسلق الجبال. أما هواة الفلك، فلهم محبوبة لا تنتهي أسرارها، ولا يستطيعون امتلاكها مهما اقتربوا منها.
ولعل المحروم حقا هو من لا يجد هواية تمنحه سببا للانتظار والشغف. أما من أحب السماء، فقد وجد هواية تختلف عن سائر الهوايات: كلما ظن أنه عرفها، اكتشف أن أمامه كونا آخر لم يره بعد.