تحولت أزمة السكن في أوروبا من مجرد ارتفاع في أسعار العقارات والإيجارات إلى تحد اقتصادي واجتماعي متفاقم، يثقل كاهل ملايين المواطنين، خصوصا فئتي الشباب والطبقة المتوسطة، في ظل اتساع الفجوة بين تكاليف السكن ومستويات الدخل، وتزايد صعوبة امتلاك منزل أو تحمل أعباء الإيجار.
وتتجلى حدة هذه الأزمة في الارتفاع المتواصل لأسعار المنازل بوتيرة تفوق نمو الأجور، مقابل تراجع قدرة الأسر على تكوين المدخرات الضرورية للشراء، فضلا عن استنزاف الإيجارات لجزء متزايد من الرواتب، وهو ما يجعل تأمين مسكن ملائم تحديا يوميا بالنسبة إلى شرائح واسعة من المجتمع الأوروبي.
وفي هذا السياق، أظهرت أحدث بيانات مكتب الإحصاء الأوروبي “يوروستات” أن أسعار المنازل في الاتحاد الأوروبي ارتفعت بنحو 69 في المائة خلال الفترة الممتدة بين عام 2015 والربع الثاني من عام 2026، فيما سجلت زيادة سنوية بلغت 4.7 في المائة خلال الربع الثاني، مقابل ارتفاع الإيجارات بنسبة 3 في المائة.
وعلى مستوى التفاوت بين الأسواق الأوروبية، تصدرت بلغاريا والبرتغال وليتوانيا قائمة الدول التي سجلت أكبر الزيادات في أسعار المنازل، بنسب بلغت على التوالي 14.3 و14.2 و12.8 في المائة، مقارنة بمتوسط عام 2025، بينما سجلت سوق الإيجارات ارتفاعات لافتة في رومانيا بنسبة 41.2 في المائة، وكرواتيا بـ22.1 في المائة، وسلوفينيا بـ10.2 في المائة.
أما عند احتساب أسعار البيع الفعلية للمتر المربع، فقد بلغ متوسط سعر الشقق في النمسا 4162 يورو، مقابل 5212 يورو في العاصمة فيينا، في حين وصل المتوسط في التشيك إلى 72410 كرونات، أي ما يعادل نحو 2900 يورو، وارتفع في براغ إلى 131520 كرونة، بما يقارب 5250 يورو للمتر المربع.
وفي البرتغال، سجل السعر الوسيط للمتر المربع من المساكن العائلية المبيعة 2076 يورو، مقابل 3439 يورو في منطقة لشبونة الكبرى، و3139 يورو في الغارف، و2305 يورو في بورتو، بينما بلغ السعر الوسيط في سلوفينيا 3070 يورو، ووصل إلى 4890 يورو في العاصمة ليوبليانا.
وتزداد حدة الفوارق في مراكز المدن الأوروبية الكبرى، حيث يتجاوز سعر المتر المربع للشقق 22 ألف يورو في زيورخ، ويقترب من 19.5 ألف يورو في جنيف، فيما يتخطى 17 ألف يورو في لندن، مقابل نحو 12.8 ألف يورو في باريس، بحسب تقرير معهد “دويتشه بنك” للأبحاث لسنة 2026، المستند إلى بيانات منصة “نومبيو”.
وتكشف هذه الأرقام حجم الكلفة التي باتت تتطلبها عملية امتلاك مسكن في عدد من المدن الأوروبية، إذ يمكن أن يتجاوز ثمن شقة تبلغ مساحتها 80 مترا مربعا 333 ألف يورو استنادا إلى متوسط الأسعار في النمسا، فيما يصل إلى نحو 275 ألف يورو في منطقة لشبونة الكبرى، دون احتساب الضرائب والرسوم ومصاريف التمويل العقاري.
ولا تقف تداعيات الأزمة عند حدود الراغبين في شراء المنازل، بل تمتد إلى ملايين المستأجرين الذين يجدون أنفسهم أمام أعباء سكنية تفوق قدرتهم المالية، إذ تشير بيانات أوردتها “يورو نيوز” في 31 أكتوبر 2026 إلى أن أكثر من 34 مليون شخص داخل الاتحاد الأوروبي يعيشون في أسر تخصص أكثر من 40 في المائة من دخلها المتاح لتغطية نفقات السكن.
وتبلغ نسبة هؤلاء 7.7 في المائة من سكان أوروبا، لكنها ترتفع بشكل ملحوظ في بعض الدول، إذ تصل إلى 26.4 في المائة في اليونان، و14.7 في المائة في الدنمارك، و11.2 في المائة في ألمانيا، وفق المعطيات ذاتها.
وتبرز الضغوط بشكل أكبر داخل المدن الكبرى، حيث تستهلك الإيجارات في نحو 12 مدينة أوروبية نصف متوسط الرواتب على الأقل، بحسب تقرير نشرته مجلة “بارونز” في 4 نونبر، فيما تصل النسبة في لشبونة إلى نحو 116 في المائة عند مقارنة إيجار شقة تضم غرفة نوم واحدة في وسط المدينة بمتوسط راتب الفرد.
وترتبط هذه الاختلالات، وفق المعطيات الواردة، بعجز قطاع البناء عن توفير وحدات سكنية بالوتيرة التي يفرضها الطلب المتزايد، إلى جانب ارتفاع أسعار الأراضي ومواد البناء وتكاليف الإنجاز، وتعقيد مساطر التراخيص والتخطيط العمراني، فضلا عن تأثير التحضر والهجرة والنشاط السياحي والتوسع في استغلال العقارات ضمن الإيجارات قصيرة الأجل.
وتفاقم تكاليف التمويل والدفعات الأولية هذه الصعوبات، خصوصا بالنسبة إلى الشباب والأسر ذات الدخل المتوسط والمحدود، التي تجد نفسها أمام شروط متزايدة الصعوبة للحصول على قروض عقارية، ما يؤخر استقلال الشباب وتكوين الأسر، ويدفع بعض العاملين إلى الاستقرار في مناطق بعيدة عن أماكن عملهم، على حساب الوقت وجودة الحياة، فضلا عن تقليص الإنفاق على التعليم والصحة والادخار.
وفي مواجهة هذه التحديات، تتجه المؤسسات الأوروبية إلى تشجيع البناء وتوسيع برامج الإسكان الاجتماعي، وتحسين آليات التمويل وتنظيم الإيجارات السياحية قصيرة الأجل، مع التركيز على توفير مساكن تتناسب أسعارها مع مستويات دخل المواطنين، في محاولة للحد من اتساع الفجوة بين العرض والطلب.
The post 34 مليون أوروبي تحت ضغط الإيجارات.. أزمة السكن تتجاوز القدرة الشرائية appeared first on برلمان.كوم.