رجعت قبل أيام من لندن ومشهد واحد لم يفارقني منذ رجعت.
كنت في مترو لندن صباحًا في إجازة الأسبوع.. المترو مزدحم.. ما لفتني ليس الزحام.. بل إن نصف الأطفال الذين كانوا بصحبة آبائهم.. كل واحد منهم يحمل كتابًا. طفل في السابعة يقرأ قصة ديناصورات.. وطفلة تقرأ عن الفضاء.. لا أحد يبكي ليأخذ هاتف أمه.. ولا أحد يصرخ.. كانوا يقرؤون بصمت كأنهم في مكتبة.
بعد فترة دخلت مكتبة كبيرة في مسقط.. كانت مليئة بالأُمَّهات والآباء. نفس المشهد.. لكن بالمقلوب. عشرات الآباء والأُمَّهات سلالهم مليئة بالألوان والدفاتر والحقائب. لم أرَ كتاب قراءة واحدًا في سلة واحدة. أطفالنا كانوا مشغولين بهواتف أُمَّهاتهم.
خرجت من المكتبة وأنا أسأل نفسي: هل نحن نجهز أبناءنا للمدرسة؟ أم نجهزهم للحياة؟
هناك عرفت الفرق.. نحن لم نخسر أمام لندن في البنية الأساسية ولا في المدارس.. خسرنا في البيت.
هناك، الأب يقرأ، فيقرأ ابنه.. هنا الأب يتصفح هاتفه.. فيقلده ابنه.
هناك، المكافأة كتاب جديد.. هنا.. المكافأة ساعة إضافية على الآيباد.. نحن بأنفسنا علمنا الطفل أن الكتاب تعب والهاتف هو الجائزة.
لا تلوموا وزارة التعليم، ولا تلوموا المناهج، ولا تلوموا الهاتف.. لوموا أنفسكم.
اسأل نفسك أيها الأب بصدق: متى آخر مرة اشتريت لابنك كتابًا ليس من كتب المدرسة؟ متى آخر مرة دخلت معه مكتبة وقلت له اختر ما تحب؟ متى آخر مرة رآك ابنك وأنت تقرأ كتابًا في البيت؟
نحن نستثمر في أبنائنا بكل شيء.. إلَّا القراءة.. نشتري لهم أغلى الملابس، وأحدث الهواتف.. ونبخل عليهم بكتاب سعره ريالان.
تدخل بيوتنا اليوم.. فتجد في كل غرفة شاشة.. وفي كل يد هاتف.. لكنك لا تجد رفَّ كتُبٍ صغيرًا.. لا تجد قصة على سرير الطفل.. لا تجد أبًا يقرأ لابنه قبل النوم.. ثم نستغرب لماذا لا يتلهف الطفل لشراء كتاب؟!
والحقيقة أن الطفل لا يكره القراءة.. هو فقط وجد بديلًا أسهل يكافئه فورًا.. الكتاب يقول له: اقرأ عشر صفحات لتصل لمرادك وفكرتك.. والهاتف يقول له: المس الشاشة وستضحك الآن.. الكتاب يطلب صبرًا وتركيزًا، والهاتف يطلب اصبعًا فقط.
المشكلة ليست أن الهاتف دخل يد الطفل، بل إننا تركناه يدخل وحده بلا منافس.. لم نضع بجانبه كتابًا مغريًا، ولم نضع بجانبه أبًا يقرأ.
نحن مَن قتلنا اللهفة بأيدينا.. نحن مَن جعلنا الهاتف هو المكافأة والكتاب هو العقاب.. نقول للطفل: خلص واجبك وبعطيك الآيباد.. نحن بأنفسنا نزرع في عقله أن الكتاب تعب والهاتف راحة.
يا أخي، فاقد الشيء لا يعطيه.. كيف تريد من ابنك أن يحب القراءة وهو لم يرَكَ يومًا تمسك كتابًا؟
المدرسة تعلمه كيف يقرأ.. أما البيت فهو الذي يعلمه لماذا يقرأ.. والطفل الذي لا يرى كتابًا في بيته.. لن يبحث عنه في مدرسته ولا في أي مكان.
لا تقل لي ابني لا يحب القراءة.. قل أنا لم أحببه في القراءة.
في النهاية، المكتبة لن تأتي إلى بيتك.. أنت من يجب أن يأخذ ابنه إليها.. اليوم كتاب بريالين .. وغدًا ستدفع آلافًا لتعالج فراغ عقل لم يمتلئ يومًا بكتاب.. ضع هاتفك نصف ساعة، واقرأ أمامهم.. خذهم نهاية الأسبوع للمكتبة.. ضع رفًّا صغيرًا في الصالة وسمِّه مكتبتنا.