أصدرت السلطات الإسبانية قراراً غير مسبوق، بتدخلها في سوق زيت الزيتون، أحد أكثر السلع قيمة في منطقة البحر الأبيض المتوسط، حيث ألزمت المزارعين بحجب جزء من إنتاجهم عن السوق، لمنع حدوث انهيار في الأسعار.
وطالبت وزارة الزراعة الإسبانية، في توجيهات أصدرتها للمزارعين بحجب 12% من إنتاجهم السنوي عن السوق حتى نهاية سبتمبر من العام المقبل 2027، مؤكدة أنهم لن يحصلوا على أي تعويض مقابل هذا الإجراء.
وقال بيان الوزارة الذي نقلته صحيفة "فاينانشيال تايمز" إن "هذا التدبير يستهدف ضمان ربحية المزارعين وحماية مصالح المشترين في آن واحد"، مؤكدة أن القرار يسعى أيضاً إلى "تحقيق استقرار أكبر في السوق، ما سيعود بالنفع على كل من المنتجين والمستهلكين".
وتشير الصحيفة البريطانية إلى أن هذا القرار يعد سابقة في إسبانيا المعاصرة، ويأتي في وقت يتوقع فيه المزارعون موسماً وفيراً لزيت الزيتون للفترة 2026-2027، بعد سنوات عانى فيها الإنتاج تراجعاً حاداً بسبب الجفاف وموجات الحر الشديدة التي أثرت على ما يوصف بـ"الذهب السائل".
وسلطت الضوء على أن هذا الإجراء يعكس مدى توافر الأدوات القوية لصناع السياسات للتدخل في الأسواق الزراعية، في ظل تزايد قلق الاتحاد الأوروبي بشأن الأمن الغذائي.
يأتي القرار، الذي دخل حيز التنفيذ فوراً، بعد أسابيع شهدت انخفاضاً في أسعار زيت الزيتون مع تعافي الإمدادات عقب بدء موسم الحصاد في سبتمبر.
ووفقاً لحكومة إقليم الأندلس، بلغ متوسط الأسعار في المعاصر هناك 2.93 يورو للكيلوجرام الواحد خلال الأسبوع المنتهي في الأول من نوفمبر، وهو ما يمثل انخفاضاً بنسبة 15% مقارنة بمستويات أوائل سبتمبر.. إلا أن هذا التدخل قوبل بمعارضة من قطاع زيت الزيتون، كما حذرت هيئة المنافسة والأسواق الإسبانية من مخاطره.
وفي تصريح لصحيفة "فاينانشيال تايمز"، قال المدير العام لرابطة "أنيراك"، التي تمثل منتجي ومعبئي الزيوت الغذائية، بريميتيفو فرنانديز، إن المزارعين يشعرون بالقلق حيال تراجع الأسعار، لكنه انتقد القرار معتبراً أن الحكومة اختارت حلاً غير مناسب.
وقال فرنانديز: "هذه التدابير مؤقتة وتقتصر على إسبانيا فقط، بينما السوق عالمي، لذا فهو حل تبسيطي أكثر من اللازم، ولن يقدم لنا أي مساعدة".
عقب إعلان الحكومة عن دراستها لمثل هذا الإجراء في أكتوبر، حذرت "الهيئة الوطنية للأسواق والمنافسة" في إسبانيا (سي إن إم سي) من أن خطوة كهذه "قد تكون لها آثار سلبية للغاية على المنافسة والمستهلكين"، وذلك من خلال الحد من كمية المعروض وجودته وتنوعه في الأسواق.
وعلق المحلل الأول في شركة "إكسبانا"، المتخصصة في معلومات أسعار السلع الأساسية، كايل هولاند، قائلاً: "جودة زيت الزيتون تتدهور بمرور الوقت… لذا، فإن هذا الإجراء لا يحل المشكلة بالضرورة. فإذا قمت بتخزين زيت الزيتون البكر الممتاز، على سبيل المثال، لمدة سبعة أو ثمانية أو تسعة أشهر، فإنه سرعان ما سيفقد خصائصه كزيت بكر ممتاز بشكل كبير".
وأضاف هولاند أن حجب كميات من الزيت لن يكون له تأثير فوري يذكر على الأسعار، نظراً لأن كبار المشترين لديهم بالفعل مخزونات وفيرة. وتساءل: "لماذا قد يسارعون للشراء الآن وهم ليسوا بحاجة إلى إمدادات إضافية؟".
وأفادت الوزارة بأن كمية زيت الزيتون التي ستحجب عن السوق ستصل إلى 188 ألف طن، مؤكدة أنها ستشكل "مجموعة فنية" جديدة لمراقبة مدى التزام المزارعين بهذا القرار، بما في ذلك إجراء عمليات تفتيش ميدانية. يسمح للمزارعين تخزين زيت الزيتون في منشآتهم الخاصة أو في مرافق تخزين تابعة لأطراف خارجية.
وتتوقع إسبانيا، وهي أكبر منتج لزيت الزيتون في العالم، ارتفاع الإنتاج بنسبة 23% ليصل إلى 1.6 مليون طن هذا الموسم، وهو رابع أكبر محصول مسجل تاريخياً، وذلك بفضل هطول الأمطار الغزيرة واعتدال درجات الحرارة في الربيع الماضي، ما ساعد الأشجار على الإزهار وتكوين الثمار.
وتشير بيانات وزارة الزراعة، إلى أن المخزونات المتبقية من الموسم السابق كانت أيضاً أعلى بنسبة تزيد عن 20% مقارنة بالعام الذي سبقه.
وفي إيطاليا، إحدى الدول الرئيسية المنتجة، بلغ متوسط سعر الكيلوغرام الواحد من زيت الزيتون البكر الممتاز 5.18 يورو في الأسبوع الأخير من أكتوبر، وهو سعر يقل بحوالي 38% عما كان عليه قبل عام، حسب بيانات "وكالة البحوث الزراعية الإيطالية" (إزميا). ومع ذلك، فقد سجلت الأسعار ارتفاعاً بنسبة تجاوزت 8% مقارنة بالأسبوع السابق.
من جانبه أيد رئيس رابطة مزارعي الزيتون في إيطاليا تمثل 15 ألف منتج، توماسو لويوديتشي، الخطوة التي اتخذتها إسبانيا، وحث إيطاليا على أن تحذو حذوها.
وقال لويوديتشي: "الإسبان يتصرفون على النحو الصحيح"، داعياً إلى اتخاذ تدابير لتحقيق الاستقرار في السوق، إذ انخفضت أسعار زيت الزيتون الإيطالي إلى النصف تقريباً، من 8.50 إلى 9 يورو للكيلوجرام الواحد في العام الماضي، لتصل حالياً إلى ما بين 4.50 و5 يورو، في وقت تضاعفت فيه تكاليف الإنتاج.
وقد أثار هذا الانخفاض الحاد في الأسعار قلق المزارعين الإيطاليين، حيث احتج أكثر من 2000 منهم في مدينة باري الجنوبية الشهر الماضي، محذرين من أن عملية الحصاد أصبحت غير مجدية اقتصادياً، وهددوا بترك ثمار الزيتون على الأشجار ما لم تقدم لهم الحكومة الدعم اللازم.
ومن جانبه، أشار فرنانديز إلى أن قطاع زيت الزيتون يحتاج إلى "حلول متوسطة وطويلة الأمد"، بالإضافة إلى جهود تهدف إلى تعزيز الطلب العالمي.
وتشير "فاينانشيال تايمز" إلى أن قانون الاتحاد الأوروبي يسمح بحجب زيت الزيتون عن السوق، بشرط أن يكون هذا الإجراء متناسباً وألا يؤدي إلى تشويه غير مبرر للسوق. ولم ترد المفوضية الأوروبية على الفور على طلب الصحيفة للتعليق بشأن المرسوم الإسباني.