لم تكن العودة إلى سوريا نهاية رحلة لجوء جميع العائلات السورية، فبالنسبة إلى بعض الأطفال الذين أمضوا سنوات من طفولتهم في تركيا أو أوروبا أو مصر، تبدو العودة بداية تجربة مختلفة، تتداخل فيها صعوبات اللغة مع اختلاف المناهج الدراسية، وتبدل البيئة الاجتماعية، ومحاولات التأقلم مع بلد يعرفونه من حكايات الأهل أكثر مما يعرفونه من تجاربهم الشخصية.
بعد سنوات من العيش في مجتمعات جديدة، اعتاد خلالها الأطفال لغات وأنماطًا تعليمية واجتماعية مغايرة، يجد بعضهم أنفسهم أمام تحدي الاندماج في بيئة يُفترض أنها مألوفة لهم.
لكن الانتماء إلى بلد الوالدين لا يعني بالضرورة القدرة على التكيف مع تفاصيل الحياة فيه، خصوصًا عندما تكون المدرسة أول مساحة يختبر فيها الطفل الفارق بين الصورة التي رسمها عن سوريا والواقع الذي يواجهه.
وتكشف تجربة العودة أن استعادة المنزل أو لمّ الشمل لا تعني بالضرورة استعادة الاستقرار بالنسبة إلى الأطفال، إذ تبدأ بعد الوصول أسئلة تتعلق بالتعليم واللغة والعلاقات الاجتماعية، وتجد الأسر نفسها أمام تحديات لم تكن جميعها في الحسبان.
وبين رغبة الأهل في استعادة حياتهم في سوريا ومخاوفهم على مستقبل أبنائهم، تصبح العودة اختبارًا لقدرة الأطفال على بناء حياة جديدة في مكان يُفترض أنهم ينتمون إليه.
تبدو اللغة العربية واحدة من أبرز العقبات أمام الأطفال الذين تلقوا تعليمهم لسنوات بلغات أخرى، ولا سيما أولئك الذين غادروا سوريا في سن مبكرة.
وقد يواجه الطفل صعوبة في القراءة والكتابة، أو في فهم المفردات المستخدمة في الكتب المدرسية، أو في صياغة الإجابات المطلوبة منه داخل الصف.
وتختلف هذه الصعوبات بحسب مدة إقامة الطفل خارج سوريا، واللغة التي درس بها، ومدى استخدامه العربية داخل المنزل، والصف الذي سيلتحق به. فالطفل الذي وُلد في الخارج أو غادر في سن مبكرة قد يحتاج إلى دعم أكبر في القراءة والكتابة، بينما قد يتمكن طفل آخر من التواصل اليومي بالعربية، لكنه يعجز عن استخدامها بالمستوى المطلوب في الدراسة.
وتتحول هذه الفجوة إلى عبء إضافي عندما يُتوقع من الطفل أن يتعامل مع اللغة باعتبارها أمرًا بديهيًا لأنه سوري، من دون مراعاة أن سنوات التعليم والحياة اليومية في الخارج أسهمت في تشكيل لغته وطريقة تعلمه.
يقول مروان محمد، وهو طفل سوري عائد من تركيا: "كنت أفهم الشرح في مدرستي السابقة، لكنني أحتاج هنا إلى وقت أطول حتى أفهم السؤال نفسه. أحيانًا أعرف الإجابة، لكنني لا أعرف كيف أعبّر عنها بالعربية".
بدورها، تقول ريتاج الهلال، وهي طالبة سورية عائدة من مصر: "على الرغم من أنني أتحدث العربية، فإن طريقة التدريس مختلفة كثيرًا عن مصر، وحتى إنني لا أفهم الكثير من الكلمات، وأشعر أنني غريبة وسط أقراني".
ويضع هذا الواقع بعض الأطفال أمام تجربة مزدوجة، تتمثل في محاولة استيعاب المنهاج الجديد، والتعامل في الوقت نفسه مع إحساسهم بالتأخر عن زملائهم.
لا تتوقف آثار العودة عند حدود المنهاج، فالطفل الذي يواجه صعوبة في متابعة الدروس قد يجد نفسه أيضًا أمام تحديات في بناء علاقات جديدة. فزملاؤه يتشاركون أحيانًا مفردات محلية وعادات وألعابًا وطرائق تواصل لم يعتدها، في حين يحمل هو تجارب مختلفة اكتسبها خلال سنوات العيش في الخارج.
وقد تظهر الفوارق في اللهجة وطريقة التعبير والملابس والاهتمامات، أو حتى في فهم النكات والإشارات المتداولة بين الأطفال. وما يبدو تفصيلًا عابرًا للكبار يمكن أن يتحول، بالنسبة إلى طفل في مرحلة التكوين، إلى سبب للشعور بأنه غريب عن محيطه، خصوصًا إذا تكرر سؤاله عن البلد الذي عاش فيه، أو عومل باعتباره مختلفًا عن الآخرين.
وتزداد صعوبة الاندماج عندما ينتقل الطفل إلى مدرسة لا تتوفر فيها برامج لمساعدته على تجاوز الفجوات اللغوية والتعليمية، أو عندما يكون الصف مكتظًا ولا يستطيع المعلم تخصيص وقت إضافي لمتابعة تقدمه.
وفي هذه الحالة، لا يعود التحدي مرتبطًا بقدرة الطفل على التعلم وحدها، بل أيضًا بمدى استعداد البيئة المدرسية لاستيعاب احتياجاته.
تقول ريما قدورة، وهي والدة طفل في سن المدرسة: "ابني كان متحمسًا لأنه سيعيش بين أقاربه ويلتقي بأطفال من عمره، لكنه احتاج إلى وقت حتى يشعر بأنه واحد منهم. كان يعود من المدرسة ويبكي لأنهم يتحدثون بطريقة لا يفهمها، ويسألني لماذا تختلف حياتهم عما اعتاده".
وفي بعض الحالات، يجد الأطفال العائدون أنفسهم بعيدين عن أصدقاء ارتبطوا بهم خلال سنوات اللجوء، وعن مدارس وأماكن أصبحت جزءًا من ذاكرتهم اليومية. ولا يعني ذلك بالضرورة رفضهم لسوريا أو تمسكهم بالبقاء في الخارج، بل قد يعكس صعوبة التخلي عن حياة عرفوا تفاصيلها، في مقابل الانتقال إلى حياة جديدة لم تتشكل روابطهم فيها بعد.
أمام هذه التحديات، يجد بعض الأهالي أنفسهم أمام أسئلة تتجاوز قرار العودة نفسه: هل يستطيع الطفل مواصلة تعليمه في سوريا؟ هل يحتاج إلى دروس في اللغة العربية؟ وهل سيكون من الأفضل منحه وقتًا أطول للتكيف، أم أن استمرار الصعوبات قد يفرض على الأسرة إعادة التفكير في مستقبلها؟
وتتداخل الإجابات مع أوضاع الأسر الاقتصادية وظروف السكن والعمل، ومدى توفر المدارس المناسبة، وقدرتها على تحمل تكاليف الدروس التعويضية والمواصلات والمستلزمات المدرسية. فالعائلة التي عادت على أمل خفض نفقات المعيشة أو استعادة صلاتها بأقاربها قد تجد نفسها أمام أعباء إضافية إذا احتاج أطفالها إلى دعم تعليمي خاص.
ولا تقتصر مخاوف الأهل على التحصيل الدراسي، بل تشمل أيضًا قدرة أبنائهم على بناء مستقبل يشعرون فيه بالاستقرار. فقد تكون الأسرة قد اتخذت قرار العودة بعد سنوات من الانتظار، أو بسبب تغير الظروف في بلد الإقامة، لكنها تجد نفسها أمام واقع يحتاج إلى وقت وموارد إضافية كي يتمكن الأطفال من التكيف.
يقول عبد الرحمن سعيد: "عدنا لأننا أردنا أن يكبر أولادنا في بلدهم وبين أهلهم، لكننا لم نتوقع أن يحتاجوا إلى كل هذا الوقت حتى يتأقلموا. أفكر أحيانًا في مستقبلهم الدراسي، وأخشى أن تتراكم الفجوات بينهم وبين بقية الطلاب".
ولا تعني هذه المخاوف أن العائلات تتجه بالضرورة إلى مغادرة سوريا مجددًا، لكنها تكشف أن تقييم تجربة العودة لا يرتبط بالسكن والعمل وحدهما، بل يتأثر أيضًا بقدرة الأطفال على استعادة مسارهم التعليمي والاجتماعي. فبالنسبة إلى كثير من الأهالي، يصبح مستقبل الأبناء أحد العوامل الأساسية في تحديد ما إذا كانت العودة قابلة للاستمرار على المدى الطويل.