اغلب البشر لا يريدون أن يكونوا أثرياء بقدر ما يريدون التقرب منهم وتقليدهم وأن يراهم الآخرون أغنياء، حتى لو اضطروا إلى احتضان العيوب!
تأملوا إنجلترا في عهد الملكة إليزابيث الأولى، في القرن السادس عشر. كان السكر سلعة باهظة، وأدى الإفراط في تناوله لدى الملكة وحاشيتها إلى تسوّس الأسنان واسودادها. نستشهد بروايات تاريخية وصفت أسنان الملكة السوداء، التي لم يكن بلاطها قادرًا على مواجهتها بحقيقة ما يحدث. فلنتخيل أحد رجال الحاشية وهو ينظر إلى أسنان الملكة، فيكاد يقول: «مولاتي، أسنانك تحتاج إلى طبيب»، ثم يتذكر منصبه ومستقبله، فيغيّر رأيه: «يا لجمال هذا السواد! لا بد أن وراءه كميات هائلة من السكر! وهذا دليل الثراء الفاحش». ومع الوقت، ارتبط سواد الأسنان لدى بعض الناس بالثراء، وتُروى حكايات عن تقليد هذا المظهر بتسويد الأسنان بالفحم أو بالحبر. وهكذا، بدل أن يخجل المرء من أسنانه المتسوّسة، صار بإمكانه أن يتباهى بها! مثل من يشتري اليوم حقيبة "صغنتوتة" بمئات الآلاف، لا لأنها تحمل أغراضه بصورة أفضل، بل لأن اسم الماركة وحده يحمل رسالة: أنا أستطيع دفع هذا المبلغ!
ومثل ذلك في بعض الثقافات، كان الكرش الكبير علامة على الوفرة والمكانة. تخيلوا رجلًا لا يمشي على قدميه، بل يجلس في هودج يحمله العبيد. أربعة رجال؟ لا بأس، رجل ميسور. أما إذا احتاج إلى عشرة يحملونه، فهذه قمة الرفاهية! وكأن عدد الأكتاف التي تتحمل وزنه هو المؤشر الرسمي لنجاحه المالي. لم يكن السؤال: هل هو بصحة جيدة؟ ضغط، سكر، كوليسترول؟! بل: كم شخصًا يحتاج ليحمله إنه فاحش الثراء؟ أما الشاب الوسيم ذو العضلات والكتفين العريضتين، هو رمز للفقر، لأن تلك العضلات نتيجة الكدح بيديه، والفتاة النحيلة النحيفة فقيرة بسبب قلة الطعام. يا للمفارقة! ما نعدّه اليوم نموذجًا للياقة قد يُقرأ في سياق آخر بوصفه علامة على الحاجة.
وفي الصين، ارتبطت الأظافر الطويلة جدا والمزخرفة لدى بعض نساء الطبقات المترفة بالقدرة على تجنّب العمل اليدوي. تخيلوا امرأة تحتاج إلى من يحمي أظافرها، ويساعدها على الأكل والشرب وتمشيط شعرها! لم يعد الظفر جزءًا من الجسد، بل صار مشروعًا يحتاج إلى فريق خدمة.
واليوم تغيّرت التفاصيل، لكن اللعبة لم تنتهِ. حقيبة فاخرة، وشفاه محقونة، وأنف مستنسخ من وجه مشهورة. بعض الفتيات قد يجرين تعديلات لا ليزدن من جمالهن لأنهن جميلات فعلا، ولكن ليُظهرن أنهن قادرات على دفع ثمن التجميل والتشبه بالأغنياء. حتى "الفيلر" أصبح أحيانًا فاتورة استعراض، لا رغبة في الجمال!
وفي علم النفس، يُسمّى بعض هذا السلوك التأثير الاجتماعي للمقارنة الاجتماعية؛ إذ قد نتبنى معايير الآخرين خوفًا من أن نبدو أقل مكانة، أو رغبةً في نيل إعجابهم.
ربما حان الوقت لنسأل أنفسنا: هل نختار ما يناسبنا، أم نشتري نظرة إعجاب من الآخرين، بثمن باهظ جدًا؟
وهل الانسلاخ من الأدب والاخلاق والدين وترك عزة النفس والتذلل إلى أصحاب المال والنفوذ فعلًا يعطي مثل هؤلاء البشر قيمة؟