لم تكن دموع الروائي الجزائري حامد ياسين، بعد غياب الجمهور عن حفل توقيع روايته، مجرد مشهد عابر يستحق التعاطف للحظات ثم النسيان، بل كانت مناسبة للتأمل في مكانة الكتاب والأدب والأدباء في مجتمعاتنا، وفي المعايير التي باتت تحكم الشهرة والنجاح، حتى أصبح السؤال عن قيمة الإنسان مرتبطًا أحيانًا بعدد المتجمهرين حوله، لا بما يقدمه للعقول من معرفة وأفكار.
تذكّرت وأنا أتابع هذه الواقعة حكاية الأديب عباس محمود العقاد والفنان المنولوجست محمود شكوكو، حين سأل صحفي الأديب العقاد: من منكما أكثر شهرة، أنت أم محمود شكوكو؟
فردّ العقاد باستغراب: مين شكوكو؟!
فنقل نفس الصحفي الرد إلى شكوكو، فقال شكوكو: قول لصاحبك العقاد ينزل ميدان التحرير ويقف على أحد الأرصفة، وأنا أقف على الرصيف المقابل، ونشوف الناس هتتجمع على مين أكتر.
فعاد الصحفي إلى العقاد ونقل له كلام شكوكو، فردّ العقاد: قول لشكوكو ينزل ميدان التحرير ويقف على رصيف، ويخلي رقاصة ببدلة رقص تقف على الرصيف التاني، ويشوف الناس هتتلم على مين أكتر!
إن دلالة هذه الحكاية، بصرف النظر عن صحة تفاصيلها التاريخية، تكمن في الفارق بين الشهرة والقيمة، وبين اجتذاب الجماهير وإثراء العقول. فالناس قد تتجمع حول ما يثير فضولها، لكن كثرة المتجمهرين لا تجعل ما يشاهدونه بالضرورة أكثر قيمة مما يقرؤونه أو يتعلمونه.
وهنا نستحضر كتاب «نظام التفاهة» للفيلسوف الكندي آلان دونو، الذي يناقش كيف يمكن أن تتحول التفاهة من مجرد سطحية إلى منظومة تكافئ من يسايرون معايير النجاح السائدة، بينما يتراجع أصحاب الفكر والكفاءة إلى الهامش. فالمشكلة ليست في وجود الترفيه أو الشهرة، بل في أن يصبحا المقياس الوحيد للتميز، وأن تتراجع المعرفة أمام الضجيج، ويصبح الانتشار أهم من المضمون.
ليس من العدل أن نحكم على حامد ياسين أو تجربته الأدبية من خلال عدد الحاضرين في حفل توقيع، أو أن نحكم على أي مؤلف أو كاتب أو غيرهم من عدد المتابعين لهم في برامج التواصل الاجتماعي، كما لا يصح أن نحكم على مجتمع بأكمله من واقعة واحدة. لكن المشهد يفتح بابًا لسؤال مؤلم: كيف يستطيع المحتوى العابر أن يجذب آلاف المتابعين، بينما يجد الكتاب، الذي يحمل خلاصة جهد الكاتب ووقته، صعوبة في الوصول إلى قرائه؟
إن الكاتب لا يكتب من أجل التصفيق وحده، ولا ينبغي أن تكون قيمة الأدب رهينة الحضور في حفلات التوقيع، فكم من كتاب لم يلتفت إليه الناس عند صدوره، ثم احتل مكانة في ذاكرة الثقافة، وكم من شهرة سطعت سريعًا ثم انطفأت دون أثر.
لقد بكى حامد ياسين في مشهد يستحق منا التفهم، لا السخرية. أما السؤال الذي ينبغي أن يبقى بعد انطفاء المشهد، فهو: هل ما زلنا نمنح الكتاب والأدب ما يستحقانه من اهتمام، أم أننا أصبحنا نقيس قيمة الأشياء بمقدار الضجيج الذي تصنعه؟
حين يبكي الكاتب أمام كتابه، فإن دموعه لا تختصر حكايته وحده، بل تضع أمامنا مرآة نسأل فيها أنفسنا عن المكان الذي تركناه للقراءة، وعن المعايير التي أصبحنا نحتكم إليها في تقدير الإنسان وإبداعه.
فليست المشكلة أن يتجمع الناس حول مشهور، بل أن يصبح عدد المتجمعين معيارًا لقيمة كل شيء.