تخيّل طالب دكتوراه في الرياضيات يسلّم أطروحته إلى لجنة المناقشة: براهين واضحة، واستدلالات جيّدة التسلسل، وصياغة رياضياتية لا تشوبها شائبة، ونتائج أصيلة لم يسبق أن تم إثباتها. ومع ذلك فمن حق اللجنة اليوم أكثر من أي وقت مضى أن تتساءل: من هو صاحب هذا العمل الجميل؟ هل هو الطالب؟ هل استوعب محتواه؟ كيف تتأكد اللجنة من ذلك، وقد صارت الآلة تولّد براهين كانت تستغرق سنوات من البحث؟
ومن ثم يأتي السؤال المؤرق لأساتذة الرياضيات اليوم: كيف نقوم بتدريب طالب الدكتوراه ليصبح باحثا؟ كان التفكير الطويل في المسائل العصيّة، والتعثر فيها، والمحاولة والخطأ، هي المدرسة التي أنجبت كبار الرياضياتيين في العالم، وقد صار بالإمكان الآن القفز عليها بضغطة زرّ في لوحة المفاتيح. لقد فَقَدَ هؤلاء العلماء اليوم بوصلتهم لأنهم يطرحون أسئلة لا تزال بدون إجابة: كيف سنكوّن نخبة الغدّ في الرياضيات، ومن سيأتي بالأفكار الجديدة في هذا العلم ويقود الاتجاهات الكبرى، الآلة أم الإنسان؟
دفعت هذه التساؤلات 24 شخصا من كبار الرياضياتيين إلى الاجتماع في جامعة هارفارد يومي 17 و18 سبتمبر 2026، قدِموا من ستانفورد وبرينستون وكولومبيا ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وبيركلي وغيرها، لمناقشة السؤال الجوهري: كيف نُعِدّ طالب الدكتوراه والباحث في الرياضيات في ظل التقدم الهائل الذي أحرزه الذكاء الاصطناعي؟ وأسفر اللقاء عن تقرير من ثماني صفحات، نوجز هنا أبرز ما جاء فيه.
1. ماذا تعني الدكتوراه اليوم؟
بدون تردّد يصف التقرير المرحلة بأنها “بداية حقبة زمنية مضطربة”، ويقرّ بأن أثر الذكاء الاصطناعي على أسرة الرياضياتيين “مدمّر” على أكثر من صعيد، وبأن العاصفة أقوى من أن يتم احتواء جهودهم احتواءً كاملًا. لكن الوثيقة ليست نعيًا لمهنة الرياضياتي… بل يرى الموقّعون أن الذكاء الاصطناعي لن يغيّر الدور المركزي للرياضياتيين في توجيه بوصلة الرياضيات وتحديد طبيعتها، ولن يقلل من أهمية تدريب الطلاب، وإن كان يعيق هذا التدريب. ومن شأن هذه الأدوات، إذا ما استُخدمت لتعميق الفهم والإبداع، أن تفتح آفاقًا جديدة، وعندئذ سيحتاج العالم إلى رياضياتيين بعدد أكثر، ليغوصوا في هذه الرياضيات الجديدة ويتأملوا في معانيها ويقودوا تطبيقاتها في العلوم والتكنولوجيا.
ومن هنا يعود التقرير إلى السؤال الأصلي: ما الذي تعنيه شهادة الدكتوراه؟ يستند الموقّعون إلى الإرشادات الأخلاقية للجمعية الرياضياتية الأمريكية (AMS) التي تصفها بأنها شهادة على وجود “معرفة رياضياتية” و”إنجاز مستقل”. وهما عبارتان يرى المشاركون أنهما تحتاجان اليوم إلى مراجعة، كما تحتاج إليها طرق بلوغهما وقياسهما. فالخرّيج المنشود هو من يصوغ الأسئلة ويتحقق من البنى الرياضياتية، المجردة منها والملموسة، ويتقن أدوات تخصصه ويُظهر قدرة على الإبداع فيه. وقد يتجلى “الإنجاز المستقل” في اكتشاف ظواهر جديدة، أو ابتكار أساليب لتحليلها، أو طرح أسئلة تحمل معنى عميقا، أو إيجاد صلات وتطبيقات في مجالات أخرى، أو حل مسائل مفتوحة. ويتسع هنا مفهوم “الأصالة” فلا يُشترط أن تشمل الأطروحة “أول برهان” على نتيجة معينة.
شاهد المحتوى كاملا على الشروق أونلاين
The post دكتوراه الرياضيات والذكاء الاصطناعي: أزمة تكوين باحث الغد! appeared first on الشروق أونلاين.