آباء متخلى عنهم وجدوا أنفسهم في وحدة بعد سنوات من العطاء
خلف أبواب دور العجزة، تختبئ حكايات إنسانية تختلط فيها الوحدة بالخذلان، وتتشابك فيها الذكريات مع أسئلة مؤلمة عن الأسرة والوفاء ومصير الإنسان عندما تتقدم به السنوات.
هناك، يقضي آباء وأمهات مسنون ما تبقى من أعمارهم بعيدا عن البيوت التي احتضنت أحلامهم قبل سنوات. تتعدد الحكايات وتختلف التفاصيل، لكن القاسم المشترك بينها هو البحث عن الدفء والاهتمام والشعور بأنهم ما زالوا جزءا من حياة الآخرين.
في هذا الملف، تفتح "الصباح" نافذة على عالم آباء مسنين وجدوا أنفسهم داخل دور العجزة بعدما تخلت عنهم أسرهم، فيما حمل آخرون معهم مسارات حياة حافلة بالإنجازات والتجارب، قبل أن يجدوا أنفسهم في مواجهة وحدة لم تخطر على بالهم ولم يفكروا يوما بأنهم سيكونون جزءا منها.
حكايات تختزل مفارقة الانتقال من دفء العائلة، إلى واقع مختلف، تحكمه تفاصيل الحياة اليومية داخل دور العجزة، في انتظار الانتقال إلى دار البقاء. يحاول هذا الملف الاقتراب من الظروف الاجتماعية والنفسية التي يعيشها هؤلاء النزلاء، والتوقف عند الأرقام والمعطيات المرتبطة برعاية المسنين، وما تقدمه السياسات العمومية لهذه الفئة.
كما يطرح الملف أسئلة شائكة حول أسباب التخلي عن الآباء والأمهات، بين التحولات الأسرية والضغوط الاقتصادية وضعف التضامن الاجتماعي، وصولا إلى سؤال أعمق، وهو كيف يتحول العمر الذي يفترض أن يكون زمن رد الجميل إلى مرحلة يواجه فيها بعض الآباء والأمهات مصيرهم في عزلة بعيدا عن حنان الأبناء؟
إيمان رضيف
آبـاء فـي مواجهـة النكـران
أمين عزام الباحث في علم الاجتماع قال إن التحولات التي طالت بنية الأسرة ساهمت في تغيير أساليب رعاية المسنين
بين قسوة التخلي وضيق ذات اليد ومتاعب الشيخوخة، يجد بعض المسنين أنفسهم أمام واقع لم يتخيلوا يوما أن يعيشوه، حين يغادرون بيوتا احتضنت ذكرياتهم وأفراحهم وأحزانهم، ليستقروا في مؤسسات للرعاية الاجتماعية، وهناك، تختلط حكايات الوحدة بمرارة الفراق، وتتقاطع التحولات التي عرفتها الأسرة المغربية مع الهشاشة الاقتصادية والأمراض المزمنة، في مشهد يطرح أسئلة مؤلمة حول مصير الآباء عندما يتقدم بهم العمر وتتراجع قدرتهم على تدبير شؤونهم اليومية.
وليست حكايات المسنين داخل دور العجزة متشابهة، كما لا يمكن اختزالها جميعها في صورة أبناء تخلوا عن آبائهم بعدما أفنوا أعمارهم في تربيتهم وتوفير أسباب العيش الكريم لهم، فخلف أبواب هذه المؤسسات قصص مختلفة، منها ما يرتبط بالإهمال والخلافات الأسرية، ومنها ما تفرضه ظروف صحية واجتماعية قاهرة، حين تصبح الرعاية اليومية أكبر من إمكانات الأسرة وقدرتها على التحمل.
وكشف أمين عزام، الباحث في علم الاجتماع، أن التحولات التي طالت بنية الأسرة وأنماط العيش ساهمت في تغيير أساليب رعاية المسنين، خاصة مع تراجع حضور الأسرة الممتدة التي كانت تشكل، في حالات كثيرة، شبكة أمان اجتماعية لكبار السن، وأضاف أن عددا من الأبناء أصبحوا منشغلين بتدبير متطلبات العمل وتربية الأطفال ومواجهة أعباء المعيشة، فيما اضطر آخرون إلى الهجرة نحو المدن الكبرى أو الخارج بحثا عن فرص أفضل، ما قد يترك آباءهم في مواجهة الوحدة، خصوصا إذا كانوا أرامل أو يعانون أمراضا تحد من استقلاليتهم.
وأوضح عزام أن الأسباب لا تقف عند حدود التحولات الأسرية، إذ تشكل الهشاشة الاقتصادية عاملا مؤثرا في أوضاع عدد من المسنين. فغياب دخل قار وارتفاع تكاليف العلاج والأدوية والحاجة إلى مساعدة مستمرة، كلها عوامل قد تجعل العيش منفردا أمرا بالغ الصعوبة، وفي حالات أخرى، تجد أسر نفسها عاجزة عن توفير الرعاية اللازمة داخل المنزل، بسبب محدودية الإمكانات المادية أو غياب خدمات المساعدة المنزلية والمواكبة الصحية والاجتماعية.
وأشار الباحث إلى أن الوجه الأكثر إيلاما لهذه الحكايات يظهر عندما يتحول الخلاف الأسري إلى إهمال، أو تصبح النزاعات حول السكن والميراث سببا في تهميش الأب أو الأم، وقد يجد بعض المسنين أنفسهم خارج محيطهم العائلي بعدما فقدوا القدرة على الدفاع عن حقوقهم أو المطالبة باحتياجاتهم الأساسية، عندها، لا يعود الإيواء مجرد انتقال إلى مؤسسة للرعاية، بل قد يتحول إلى تجربة قاسية يستحضر فيها المسن شعورا بالرفض وفقدان المكانة داخل الأسرة التي كان يوما عمادها.
وتتضاعف وطأة هذه التجربة عندما تتم مغادرة المنزل دون تهيئة نفسية أو إشراك المسن في اتخاذ القرار، إذ لا يتعلق الأمر بتغيير مكان الإقامة فحسب، بل بالانفصال عن تفاصيل الحياة اليومية والذكريات والعلاقات التي تشكل جزءا من هويته، ومع ذلك، يمكن لمؤسسات الرعاية المؤهلة أن توفر الحماية والعلاج والتغذية والرفقة، خاصة للأشخاص الذين يحتاجون إلى متابعة مستمرة ولا يجدون من يتولون رعايتهم.
عبد الجليل شاهي (أكادير)