في إطار القرارات التنظيمية الهادفة إلى ضبط تسعير الخدمات المصرفية وتعزيز الشفافية في العلاقة بين المصارف والمتعاملين، يبرز قرار مصرف سوريا المركزي رقم /748/ لعام 2026 كخطوة في تنظيم العمولات والرسوم المصرفية، وسط تساؤلات حول مدى قدرته على معالجة اختلالات العلاقة بين القطاع المصرفي والمجتمع، وانعكاساته على ثقة المتعاملين وتكاليف الخدمات المصرفية.
ورأى الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور علي محمد، في حديث لـ”الوطن”، أن القرار يمثل امتداداً لقرارات سابقة تناولت موضوع العمولات والرقابة عليها وتحديد سقوف لها، مشيراً إلى أنه يشكل خطوة تنظيمية إضافية باتجاه تعزيز الشفافية، وإن لم تكن هذه الخطوة مؤثرة بشكل كبير، في ظل استمرار تحديات الثقة بين المجتمع والقطاع المصرفي السوري، لافتاً إلى أن موضوع العمولات والرقابة عليها وتحديد سقوف لها كان موجوداً خلال السنوات الماضية.
واعتبر أن “المركزي” يحاول من خلال القرار الجديد المضي بخطوات إضافية نحو زيادة الشفافية في العلاقة بين المتعاملين والمصارف، رغم أن هذه الخطوة ليست مؤثرة بشكل كبير، لكنها تندرج في إطار تنظيم العمولات ووضعها ضمن سياسات مكتوبة، تستند إلى صلاحيات محددة داخل كل مصرف، وتتم المصادقة عليها من مجالس إدارات المصارف، إلى جانب تفعيل الرقابة الداخلية على تطبيقها بصورة أساسية.
الثقة المفقودة بين المصارف والمجتمع
وأشار الخبير الاقتصادي والمصرفي إلى أن العلاقة بين المجتمع والقطاع المصرفي اليوم ليست جيدة على الإطلاق، نتيجة فقدان الثقة بالقطاع المصرفي السوري لأسباب عديدة، من بينها السيولة، مؤكداً أن القرار يمثل خطوة تنظيمية في سبيل تأطير سياسات العمولات وتعزيز وضوحها بالنسبة إلى المتعاملين.
وفي المقابل، لفت إلى أن اعتماد منهجية لاحتساب تكاليف كل خدمة من دون وضع سقوف للعمولات أو تشديد الضوابط بهذا الاتجاه، يترك المجال مفتوحاً أمام المصارف للمنافسة بينها فيما يتعلق بالخدمات المصرفية.
وأكد محمد أن أي قرار يصدر عن السلطة النقدية ينبغي أن يوازن بين ثلاثة أهداف أساسية، أولها حماية المتعامل، باعتبار أن من حقه ألا يدفع أي رسم أو عمولة، مهما كانت صغيرة، مقابل خدمة غير موجودة أو غير مقدمة فعلياً، أما الهدف الثاني فيتمثل في حماية الاستدامة المالية للمصارف، موضحاً أن العمولات المصرفية تشكل نسبة جيدة جداً من قائمة الدخل لكل مصرف، وبالتالي لا يمكن الإضرار بهذه النسبة بما قد ينعكس على صافي أرباح المصارف.
ويتمثل الهدف الثالث، حسب محمد، في الحفاظ على حق المصرف المركزي في الرقابة على تطبيق قراراته، وفق النظم الرقابية الصحيحة، بما يضمن تحقيق التوازن بين حماية المتعاملين واستدامة عمل المؤسسات المصرفية وفاعلية الرقابة النقدية.
مقارنة العمولات
وفيما يتعلق بمستوى العمولات التي كانت تتقاضاها المصارف السورية مقارنة بنظيراتها في دول أخرى، رأى محمد أن الوصول إلى مقارنة دقيقة يتطلب دراسة القوائم المالية، وتحديداً قوائم الدخل الربعية التي تنشرها المصارف الخاصة التقليدية الأحد عشر والمصارف الإسلامية الأربعة العاملة في سوريا.
وأوضح أن “المركزي” يستطيع من خلال قراءة هذه البيانات مقارنة العمولات الدائنة التي تدخل في قائمة الدخل لكل مصرف، وتحليل الفروقات بينها، لمعرفة ما إذا كانت هناك مصارف تتقاضى عمولات أعلى من غيرها أو تتجاوز المتوسط العام.
وتحفّظ محمد على إصدار حكم مباشر بشأن المصارف التي تتقاضى عمولات أكبر، مشيراً إلى أنه لا يمكن القول إن مصرفاً يحقق مليار ليرة من العمولات ومصرفاً آخر يحقق المبلغ نفسه يعني أنهما يتقاضيان المستوى ذاته من العمولات، إذا كان حجم أعمال المصرف الأول يفوق حجم أعمال الثاني بمرتين أو أكثر.
وشدد على أن التدقيق في العمولات يمثل واجباً على المصرف المركزي، بما يمنع نفور الراغبين في التعامل مع المصارف بسبب الاعتقاد بأن العمولات تُفرض بصورة عشوائية ومن دون معرفة مسبقة من بعض المتعاملين.
العمولات الواضحة تدعم الشمول المالي
وفيما يتعلق بانعكاسات القرار على الأفراد والشركات، ربط محمد ذلك بتوجه السلطة النقدية نحو تعزيز الشمول المالي، معتبراً أن تنظيم العمولات وضمان توازنها ووضوح تكاليفها وشفافيتها يشكل إحدى النقاط التي ينبغي العمل عليها في هذا المجال.
وأوضح أن وضوح العمولات وتناسبها مع تكاليف الخدمات قد يشجعان المواطن المحدود الدخل أو التاجر الصغير، ولو بدرجة بسيطة، على التعامل مع المصارف، لافتاً إلى ضرورة عدم تحميل القرار أكثر مما يحتمل، فهو خطوة جيدة في إطار تعزيز الشفافية، لكنه لا يكفي وحده لمعالجة واقع الثقة بين المصارف والمتعاملين.
وختم محمد بالإشارة إلى أن العمل المصرفي يقوم بصورة عامة على الثقة المتبادلة بين المصارف والمتعاملين، وأن القرار قد يسهم إلى حد ما في تمكين العملاء من معرفة تكاليف الخدمات التي يحصلون عليها مسبقاً، وبالتالي المساهمة في ترميم جزء من الثقة المفقودة، وإن كان ذلك في حدوده الدنيا.