انتشر مؤخراً مقطع مصور قصير يُظهر كاتباً عربياً وهو يذرف الدموع بحزن شديد خلال حفل توقيع لإصداره الجديد، وذلك لعدم وجود أي شخص في القاعة يستقبله أو يطلب توقيعه أو يلتقط صورة تذكارية معه. يبدو أنه ظل جالساً في انتظار حتى اللحظات الأخيرة، شبيهاً ببائع حزين يترقب وصول زبون واحد على الأقل، أو حتى شخصاً عابراً يدخل القاعة بالصدفة فيصادف كاتباً منعزلاً مع كتابه، فيمد يده لمصافحته وتهنئته بالصدور. هذه التهنئة، التي تُقال عادةً على منصات التواصل الاجتماعي تشجيعاً عاماً دون معرفة مسبقة أو إعجاب خاص بالمؤلف، قد تكون كافية لتقديم بعض العزاء للكاتب المنعزل في قاعة فارغة. فكيف لا ينهار الكاتب من الحزن إذا لم يجد حتى هذا الشخص العابر الذي يحلم بلقائه؟
حظي مشهد بكاء الكاتب بتعاطف كبير على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ يحمل وقعاً خاصاً عندما يصور كاتباً عربياً يعترف بالهزيمة بسبب غياب القراء. هذا المشهد أعاد فتح النقاش حول عزلة المثقف العربي في مواجهة الجهل المتزايد، وتراجع مكانة الكتاب أمام خيارات الترفيه والتسوق الأخرى.
نثق في صدق تلك الدموع في مشهد نادر من الصراحة، فهي تحرر الكاتب قليلاً من الصورة النمطية الشائعة عنه كشخص مغرور ومتعجرف. كما أنها تكشف عن الهزائم المهنية والحزن الذي اعتاد الكاتب إخفاءه عن الناس، وتسلط الضوء على جوانب من واقعنا الثقافي يمكن لهذا المشهد الحزين أن يعبر عنها بدقة.
تذكرتُ فوراً حلقة من المسلسل السوري الكوميدي «بقعة ضوء»، حيث يؤدي أحمد الأحمد دور شاعر يُدعى إلى أمسية شعرية في قاعة جامعية. يدخل الشاعر ليجد القاعة فارغة فينتظر، حتى تصل طالبة فضولية يسألها عن سبب حضورها، فينشأ حوار حول مستقبل الشعر يبدأ من عبارة «بيجوز متل ما بيقولوا إن الشعر مات». يحاول الشاعر تقديم تفسير إيجابي مفاده أن الشعر لم يمت ولا يمكن أن يموت، بل يحتاج فقط إلى استعادة شعبيته.
تتضمن تجربة كل كاتب أو شاعر خيبات أمل كبيرة تُدفن في الذاكرة عندما يتعلق الأمر برهاناته على القراءة والقراء. وقد تظهر مرارة هذه الخيبات بشكل خفي في مواقف جانبية، عبر تعبيرات عن السخط أو كبرياء جريح، أو نقد عام للزمان وأهله. وهناك دائماً شكوى من سوء الفهم بين الكاتب والقارئ، بالإضافة إلى أمل وشوق للقارئ النادر الذي يقرأ النص مرتين. فمن يستطيع أن يقرأنا مرتين في زحام هذا العصر؟ لكن الغريب أنه، رغم هذا الخذلان المتكرر، نادراً ما نرى كتّاباً يتحدثون أو يعترفون بحرية كافية عن خذلان القراء لهم.
يخذلنا القراء بقدر ما نعلق الآمال عليهم، وبقدر ما نستمد معنى الكتابة من استقبالهم لنا وفرحتنا برؤية صورهم وهم يتصفحون كتبنا أو يستشهدون من أعمالنا بما يعينهم على فهم حياتهم. ويخذلنا القراء المتخيلون لسبب آخر أكثر خطورة، وهو سلطتهم كجمهور متخيل على وعينا أثناء الكتابة، وقدرتهم التدميرية أحياناً على تغيير أسلوبنا الكتابي. إنهم مجموعة مخيفة، فهم أصحاب الحق الأخير في التأويل.
في فيلم وثائقي فرنسي من إخراج سيمون بيتون بعنوان «محمود درويش: الأرض تُورَث كاللغة»، يتحدث الشاعر عن ضرورة بناء ثقة متبادلة مع القارئ؛ فهي التي تمنح الشاعر شرعية التجديد وحرية الغوص في غموض المعاني حيث يشاء، مطمئناً إلى أن بيت شعره هو بيت حقيقي يسكنه الناس ويجدون فيه عزاءً وتعويضاً عن خيبات الواقع، قائلاً: «ولا أعتقد أنه من حق الشاعر أن يطلب سعادة أكثر من ذلك»!
مع تقدم العمر وتراكم التجربة، يزداد قلق الشاعر من أن يبقى بيت شعره مهجوراً، لكنه يخشى في الوقت نفسه تسليم مفاتيحه كلها للقراء فيفقد وجوده في نصه، كمن يجهز منزله للغرباء وينسى نفسه خارجاً. ونادراً ما استطاع شاعر عربي معاصر التمرد على قرائه واحتوائهم في جملة شعرية واحدة كما فعل محمود درويش ببراعة وتوازن. ورغم أن أدونيس -الذي يثير الجدل مع كل موعد نوبلي- كان أكثر تمرداً من درويش، ليس على جمهور الشعر العربي فحسب، بل على السياق الثقافي السائد بأكمله، إلا أنه وجد لشعره معنى أعمق بقدر ابتعاده عن ابتزاز القارئ الكسول الذي يطالب دائماً بالفهم الفوري.
لا تخلو علاقة المبدع بالمتلقي من ابتزاز خفي، ويعتمد ذلك على كيفية إدارة المبدع لهذه العلاقة وعلى ثقته بنفسه. وقد كتبتُ مؤخراً مقالاً يستدعي هذا المقام إعادة التذكير به: «لو قلتُ إنني أكتب لنفسي». فإعادة الاعتبار للكتابة عن الذات، وهي الركيزة التي أدافع عنها في تعريف الكتابة، تتطلب يأساً زاهد من القارئ المتخيل المجهول. هذا اليأس هو ما يمنحنا حرية الكتابة أثناء العملية الإبداعية، لكننا نحتاج إليه أيضاً لحماية هشاشتنا في حفلات التوقيع الخالية من الحضور، حيث يجب أن نتبنى هذا اليأس والصفح عن الآخرين كحماية نفسية متقدمة تحمينا من الخذلان. سالم الرحبي شاعر وكاتب عُماني