يحضر مسلسل «اثنا عشر قرداً» باسمه الغريب ضمن قائمة المسلسلات التي تتناول فكرة نهاية العالم، التي رغم استهلاكيتها تبقى أثيرة لدى صانعي الدراما والسينما بداعي عاملين: الأول ما تحتمله من رغبة الإنسان بالتحرر من النهايات بأثر من الذاكرة الدينية التي ترى العالم مرحلةً سوف تنقضي. أما العامل الثاني فيتحدد بالتلقي الذي يتصل بفكرة التشويق، ولا سيما ترقّب النهاية ما يتيح لصانعي الدراما حبكات متعددة، خاصة حين يصحبها السفر عبر الزمن الذي يتيح بدروه إمكانيات التعامل مع الأحداث- رغم خيالية الفكرة- غير أنها تستجيب لاستيهام الإنسان الذي يتمنى أن يعود إلى الماضي لتغييره. إن قيمة هذه المنظومة تتحدد بما تفتحه من أسئلة، وما تفرضه على الشخصيات من اختيارات، ومنها سؤال إمكان تغيير الماضي مقابل الثمن الأخلاقي، خاصة من ناحية المفاضلة بين عالم يسكنه الحب رغم الفناء، مقابل إلغاء الزمن بداعي الخلاص. يشار إلى أن المسلسل عُرض بين عامي 2015 و2018، وامتد على أربعة مواسم.
يعتمد المسلسل فكرة تعرّض العالم لوباء قاتل، وهو أقرب إلى نبوءة قبيل جائحة كوفيد، غير أن هذا الوباء كان مسؤولاً عن موت سبعة مليارات إنسان؛ ولهذا تقرر مجموعة من العلماء إنشاء مشروع يقوم على اختراع آلة تعيد الإنسان إلى الماضي في محاولة للقضاء على الفيروس المسؤول عن الكارثة. تلعب الآلة دوراً محورياً في الإحالة الرمزية؛ إذ تتحول إلى مركز للصراع، ولا سيما مع الجماعة التي تحمل اسم «جيش الاثني عشر قرداً». تبرز شخصيات مركزية، أهمها البطل جيمس كول، والعالمة جونز، والطبيبة كاساندرا؛ حيث تنطلق محاولات جونز وكول من الرسالة التي أرسلتها كاساندرا من الماضي بوصفها مدخلاً لتحديد مصدر الفيروس، ومحاولة القضاء عليه، غير أن العملية تتعقد، فندخل في دورات متلاحقة من العودة عبر الزمن محكومة بسؤال فلسفي: هل ستقود محاولة تغيير الماضي وتصويب الأخطاء إلى تجاوز الكارثة، أم ستؤدي إلى مزيد من التدهور الحتمي؟
يتحول السفر عبر الزمن إلى اختبار للمعرفة الإنسانية؛ فالشخصيات تعتمد على معلومات ناقصة، في حين قد تكون محاولات منع الحدث سبباً في تحققه، بيد أن الأهم ما تستدعيه من قدرة على التحليل والربط والمعالجة، ولا سيما ربط النية بالنتيجة، وبالتحديد معنى أن يمتلك الإنسان حرية الاختيار. فالطبيبة كاساندرا التي يستدعيها كول من الماضي تنخرط في لعبة السفر عبر الزمن، مع شخصيات أخرى، منها رامزي، الذي يبدو شخصية جدلية، على الخصوص حين يرتبط مصير العالم بمصير ابنه. ومن هنا تنشأ، بفعل اختلاف الأهداف والوسائل صراعات داخلية بين شخصيات تسعى ظاهرياً إلى غاية واحدة، ولكنها تختلف حول ثمن النجاة الذي يمكن دفعه. يمكن تحديد «دائرة الوجود» في مستويين متصلين: حلقة سببية تصبح فيها النتائج أسباباً للأحداث التي أنتجتها، بالتوازي مع دائرة نفسية تعود فيها الشخصيات إلى الحب والخوف والشعور بالذنب حين تتغير الوقائع. وبذلك، فإن تكرار الرحلة لا يعني بالضرورة تكرار التجربة بمعناها الإنساني. تقود هذه الدائرة مصائر الشخصيات عبر أزمنة كثيرة، ولقاءات تجمع الذات عينها في أعمار مختلفة، وأي تغيير في الحدث يخلق نوعاً من المفارقات الزمنية التي تؤدي إلى تقويض التاريخ، حيث يقود التلاعب بالحدث التاريخي إلى كوارث، بيد أن من أهم ملحوظات نقاد المسلسل الإشارة إلى قدرته على جمع خيوط الحكاية، وإكمال مسارات الشخصيات عبر استعادة الأحداث لمزيد من التفسير، في ظل مسلسل شديد التعقيد، والتراكب؛ فكل حدث، مهما بدا ضئيلاً، يحتمل دوراً ووظيفة على الرغم من التضليل الكامن في بعض الأحداث. من أهم تلك الأحداث أن يجد كول وكاساندرا نفسيهما أمام احتمال أن يكون ابنهما «آثان» هو «الشاهد» الذي يسعيان إلى إيقافه، ما يعني أن مهمة إنقاذ البشرية قد تحولت لكليهما إلى اختبار للأبوة والأمومة. في حين أن انكشاف أوليفيا بوصفها الشاهد الحقيقي يعيد ترتيب فهم هذه الوقائع، ما يجعل من آثان نفسه ضحية لتأويل مضلل لمصيره. وفي ظني أن الحلقات التي عالجت حكاية الابن من أجمل أجزاء المسلسل من ناحية تغيير الإيقاع عبر نقل المشاهد إلى بعد آخر بدا حاملاً للكثير من الأفكار التي نهض عليها العمل؛ ما يدفع المشاهد إلى مراجعة المعنى الذي منحه للأحداث، والتمييز بين ما تؤمن به الشخصيات، وما تثبته الحكاية لاحقاً. إن هذا البناء المركب لا يخلو من إشكاليات في التلقي؛ حيث انتقدت مراجعات نقدية إرباك التسلسل الزمني في بداية المسلسل من جهة الحد الفاصل بين التعقيد المنتج والتعقيد المرهق. فالمفارقة الزمنية تكون مثمرة حين تعمّق فهم الشخصية أو تعيد تفسير حدث، ولكنها تتحول إلى عبء حين ينشغل المشاهد بتحديد موضع الحدث أكثر من انشغاله بدلالته. إن كل عودة إلى الماضي أو انتقال إلى المستقبل تثيران إشكالية الذاكرة والمشاعر؛ فما يُفترض أن يُمحى بفعل تغيّر الأحداث قد يظل كامناً في الشخصيات. ويمكن قراءة هذا بوصفه تعبيراً درامياً، فالتجربة تترك أثراً يتجاوز الوقائع التي أنتجتها؛ فتغيير الحدث لا يضمن محو الخوف، أو الحب، أو الشعور بالذنب، فمعضلة الشخصيات تتجلى في مواقفها المتناقضة بداعي أنها تنطلق من جروح يمكن فهمها. فرامزي ينظر إلى الأحداث من خلال علاقته بابنه، بينما كول وكاساندرا يواجهان تعارضاً بين الحب والواجب، في حين تحمل جونز تصورها الخاص للخسارة والمسؤولية، وهكذا تتقدم الروابط الشخصية على مصير البشرية.
تبرز شخصية جنيفر المنتمية إلى «المتبصرين» بوصفها شخصية تصل بين الأزمنة عبر الرؤى والرسوم والأصوات، فهي من مجموعة «الرئيسيين- المتبصرين» الذين يرتبطون ببنية الزمن، واستمراره، ولذلك يستهدفهم جيش الشاهد، ومن هنا تمسي جنيفر حلقةً في معرفة مشتركة تتجاوز الحدود والأزمنة، فهي تقدم رؤاها بوصفها طريقاً إلى المعرفة، ولكنه طريق يختلف عن الطريق التجريبي الذي تمثله جونز بتفكيرها العلمي الراديكالي، ولكن من دون أن ينفصل كلاهما عن مواجهة الكارثة. ضمن هذه المناخات، يبقى اسم «جيش الاثني عشر قرداً» من الصيغ الغامضة التي تثير الأسئلة، وتدفع المشاهد إلى البحث عن تفسيرات، حيث يمكن قراءة الرقم اثني عشر في ضوء اقترانه المألوف بقياس الزمن: الساعات والشهور، ولكنها تبقى قراءة تأويلية، ولا يمكن تقديمها بوصفها تفسيراً محسوماً للاسم. في سياق دائرة الوجود يتخذ صراع كول مع الجماعة الغامضة بعداً يتصل بالأسطورة والمعتقدات وصور الخلاص، فهذه الجماعة تسعى إلى تجاوز الفناء عبر وجود لا زمن فيه، فتبدو «الغابة الحمراء» وعداً بنهاية سعيدة تقود الكثيرين للانخراط فيها، ولا سيما الذين عانوا من أحداث مؤلمة أو فقدوا أحبتهم. يستعين العمل بإشارات دينية صريحة؛ ففي الموسم الأول تُربط قطعة أثرية بالدروز، كما يُستدعى مفهوم «حارس الزمن»، في حين أن العلامات المحيطة بقرص الساعة الذي يقف عليه الشاهد مكتوبة بالآرامية، كما يمكن قراءة اجتماع الكتابة القديمة والساعة، بوصفه منح الزمن هيئةً طقسية، في حين أن رمز «الأوروبوروس»، أو الأفعى التي تلتهم ذيلها بوصفه صورة لحكاية تعود فيها النهاية إلى البداية، فتصبح محاولة الإفلات من المصير جزءاً من صنعه. إن حضور الرموز الدينية أو اللغة الطقسية، لا يكفي وحده لإحالة تصوّر الجماعة إلى عقيدة بعينها؛ فالمسلسل يوظف هذه الإشارات في بناء أسطورته الخاصة، فلا يقدم بالضرورة وصفاً تاريخياً للعقائد التي يستعير أسماءها، ولكن الأهم قراءة وظيفة هذه الرموز داخل الحكاية كونها تمنح السلطة شرعيتها، حيث يتحول الوعد بالخلاص إلى أداة لاستقطاب الخائفين والمفجوعين، بهذا المعنى تُستثمر حاجة الإنسان الأزلية إلى الطمأنينة، أو إلى معنى لحياته، ما قد يتحول بدوره إلى مدخل للهيمنة، غير أن من هو جدير بالتنبه إليه ما ينتج عن هذا، فالشاهد يعتمد على سلطةً تستند إلى ادعاء معرفة تتجاوز الآخرين ما يفسر موقع شخصية أوليفيا (الشاهد) التي تبدو أكثر تركيباً حين تُقرأ بوصفها تجسيداً لحلم الخلاص الذي سرعان ما يتحول إلى تسلط عنيف؛ فهي تفرض تصورها للنجاة حتى لو اقتضى ذلك إلغاء عالمهم بداعي تخليصهم من الألم، وبذلك تتحول الغابة الحمراء إلى فردوس متخيل أو مؤجل يعد باستعادة المفقودين، وتجاوز الموت، بينما تقوم مفارقته على أن إلغاء الزمن قد يمحو معه إمكان التغير، والاختيار.
في المشاهدة علينا أن نبتعد قليلاً عن تعاقب الأحداث لنتصل بفلسفة المسلسل التي تنهض على صراع بين رؤى الإنسان للزمن. فهناك من يرى أن المشكلة تكمن في الماضي الذي يجب أن يعاد تصحيحه، مع ما يمثله ذلك من ثمن أو أثر على معنى الحاضر، أو من أجل مستقبل أفضل. وفي المقابل، هناك من يرى أن جمال اللحظة الحاضرة يوازي أي معنى آخر، إذ يجب التخفف من التعلق بالماضي، والتركيز على الحاضر. وهكذا تتخذ العلاقة التي تجمع بين كول وكاساندرا في المنزل قيمتها من هذا التوتر؛ إذ تبدو سعادة الحاضر كامنة في الحب، وفي إمكان العيش بعيداً عن القلق على المستقبل أو الماضي، ومع ذلك، فإن فكرة الواجب والمسؤولية الأخلاقية تبقى جزءاً من ماهية الإنسان الذي لا يستطيع التخلص من وعيه أو ضميره، كونه جزءاً من حرب شديدة التعقيد. ويمكن قراءة رمزية المنزل بوصفه صورة مصغرة لإغراء الغابة الحمراء، أو الرغبة في حماية لحظة السعادة من العالم، وما يهددها، غير أن التشابه في الرغبة يفتح سؤالاً أخلاقياً عن الوسيلة، والثمن، ولا سيما أن تحقيق السعادة يتطلب التخلي عن الآخرين، وفنائهم. إن جزءاً كبير اً من هوية العمل، وماهيته يرتبط بأسئلة اختيار الإنسان بين حياة تخلو من الألم، وحياة أخرى تنضح بالمخاطرة والألم، والتضحية. ولعل أجمل جزئية في هذا المعنى ذلك الحوار بين كول وكاساندرا حين تلوح لهما إمكانية الخروج من الحرب والاستمتاع بحياة مشتركة لا نهاية لها، بيد أن موقف جيمس كول يختزل الرؤية العميقة لمعنى الحياة التي إن انفصلت عن الزمن، والنهايات فإنها – لا محالة- سوف تفقد ما يمنحها المعنى، فاختيار الحب يكتسب ثقله أو معناه من احتمال الفقد، واللحظة تصبح ثمينة لأنها لا تبقى إلى الأبد بداعي تهديد الزمن، فالألم ليس غايةً في ذاته، ولكن تكمن المعضلة في محاولة إلغاء الزمن الذي يهدد معنى التغير، والاختيار، وهو ما يمنح الحياة لذتها الخاصة. هذا النسق من التفكير يقترب من أسئلة فلسفية تتجاوز حدود المغامرة الدرامية؛ والمتعة، فالمسلسل يتركنا أمام مفارقة إنسانية قوامها الصراع بين الرغبة في النجاة من النهايات، والإدراك أن الحياة والأشياء تتحدد قيمتها، كوننا نعرف أنها ستنتهي في يوم ما، ومن هنا يصبح إنقاذ العالم قبولاً باستمرار الزمن بكل ما يحتمله ذلك من حب، وفقد، ومسؤولية.