نواكشوط ـ «القدس العربي»: لم تكن المسافة طويلة بين مكتب وزير الثقافة الموريتاني الجديد محمد ولد ببانه الناطق الرسمي الحكومي وساحة الجدل حول هوية الدولة وعدالة مؤسساتها؛ فبمجرد أن وزع التعميم الذي يلزم بتحرير الوثائق الموجهة إلى ديوانه باللغة العربية، انفتح الجدل حول واحد من أكثر الملفات حساسية في بلد تتجاور فيه لغات وطنية متعددة، وتتداخل فيه المطالب بالسيادة الثقافية مع المخاوف من الإقصاء. ومع أن الوزير ألزم مسؤولي قطاعه باستخدام العربية في المراسلات والمذكرات والتقارير والوثائق الواردة إلى الوزير، فقد اتسعت ردود الفعل ونقل النقاش إلى لغة الإدارة الموريتانية عمومًا. ويستند المدافعون عن الإجراء إلى المادة السادسة من الدستور، التي تقر العربية لغة رسمية، وتحدد العربية والبولارية والسوننكية والولفية لغات وطنية. غير أن هذا التمييز بين الرسمية والوطنية يقع في صميم الخلاف: فبينما يراه مؤيدو التعريب أساسًا واضحًا لتنظيم العمل الإداري، يعتبر منتقدون أن طريقة تطبيقه ينبغي أن تراعي التعدد اللغوي وتكافؤ فرص المواطنين في التعامل مع الدولة. ومن أبرز الأصوات المعترضة البروفسور محمدو سي، عالم الرياضيات الموريتاني المنحدر من مجموعة البولار والمقيم في رواندا، الذي اختار تقديم موقف مباشر. وأعلن سي رفضه فرض الاستخدام الحصري للعربية في مصالح الوزارة، معتبرًا أن الإجراء ينطوي على تمييز ضد المكونات غير العربية؛ وبحسب قراءته، فإن اعتماد لغة واحدة، دون معالجة الفوارق في امتلاكها، قد يجعل الوصول إلى مؤسسات الدولة أيسر لبعض المواطنين منه لغيرهم، ويمنح الانتماء اللغوي وزنًا يتجاوز معيار الكفاءة. وطالب البروفيسور سي بإلغاء التعميم، ومراجعة المادة السادسة لترسيم البولارية والسوننكية والولفية إلى جانب العربية، وإدخالها إلى الإدارة على قدم المساواة. واقترح اعتماد الفرنسية لغة للإدارة خلال المرحلة الانتقالية، إلى حين إدماج اللغات الوطنية، بالتوازي مع التعميم الفعلي للتدريس بها. غير أن اقتراح العودة إلى الفرنسية يفتح بدوره بابًا آخر للخلاف؛ إذ يضعها أصحاب هذا الطرح في موقع الأداة الانتقالية لضمان التوازن، بينما ينظر أنصار السيادة اللغوية إلى استمرار حضورها بوصفه أحد أوجه تأخر استكمال الاستقلال الثقافي؛ وهكذا يختلف الطرفان حتى في تحديد اللغة التي يمكن أن تؤدي وظيفة الوسيط. في المقابل، اعتبر الباحث والمفكر الدكتور محمد المنير أن مكانة العربية محسومة دستوريًا، ولا ينبغي إعادة طرحها باعتبارها موضع مساومة. ورأى أن النقاش المشروع يتعين أن ينصبّ على تعزيز حضورها وتطوير استخدامها في الإدارة والتعليم والحياة الاقتصادية. ويعكس هذا الموقف خشية لدى المدافعين عن التعريب من أن تتحول الاعتراضات على آليات التنفيذ إلى مراجعة لأصل رسمية العربية؛ أما المنتقدون، فيضعون التركيز على النتائج الاجتماعية المحتملة للتطبيق، وهو ما يجعل الجانبين يتحركان، أحيانًا، على مستويين مختلفين من النقاش. وفي موازاة ذلك، طرحت «عريضة الثامن والعشرين من نوفمبر للسيادة اللغوية»، التي تحمل، بحسب النص المتداول، توقيع 68 هيئة وشخصية، تصورًا أوسع لتعزيز العربية، مؤسسًا على الربط بين الاستقلال الوطني والاستقلال الثقافي. وتطالب العريضة بإصدار قانون نظامي يحدد جزاءات مخالفة المادة السادسة، ومنع استخدام اللغات الأجنبية داخل البرلمان، وتعريب الخطابات والوثائق والمراسلات الإدارية. كما تدعو إلى تعريب لوحات السيارات الحكومية واللافتات الإشهارية، وإشعار السفارات والمنظمات الدولية بمقتضيات رسمية العربية، وإلزام القطاع الخاص باستخدامها ضمانًا لحقوق المستهلك. لكن العريضة تتضمن أيضًا مطالب تتصل بتوسيع حضور اللغات الوطنية الأخرى؛ إذ تدعو إلى استخدام إحداها عندما يتعذر إلقاء الخطابات الرسمية بالعربية، مع توفير الترجمة، وإتاحة خدمات الترجمة في المؤسسات الموجودة في المناطق التي يكثر فيها استعمال هذه اللغات. وتقترح، كذلك، خطة زمنية لتمكين الموظفين العموميين من العمل بالعربية ولغة وطنية أخرى، مع منح تحفيزات لمن يتعلمون هذه اللغات؛ وهذه نقطة تتيح مساحة تقاطع محتملة بين الدفاع عن العربية والمطالبة بالاعتراف العملي بالتنوع، إذا تحولت إلى برامج تدريب وخدمات ملموسة. ومن زاوية مختلفة، انتقد الإعلامي بشير عبد الرازق تحويل التعميم إلى مواجهة أيديولوجية، معتبرًا أن طلب الوزير تحرير الوثائق الواردة إلى ديوانه بالعربية كان يمكن أن يبقى ضمن التعليمات الإدارية المعتادة. وحذر من استغلال القرارات اليومية لإحياء صراعات قديمة، مؤكدًا أن الوطن أمانة مشتركة ينبغي صون استقراره.
موريتانيا: جدل يشتعل إثر تعميم لوزير الثقافة يلزم باعتماد العربية في المراسلات الإدارية
نواكشوط ـ «القدس العربي»: لم تكن المسافة طويلة بين مكتب وزير الثقافة الموريتاني الجديد محمد ولد ببانه الناطق الرسمي الحكومي وساحة الجدل حول هوية الدولة وعدالة مؤسساتها؛ فبمجرد أن وزع التعميم الذي يلزم بتحرير الوثائق الموجهة إلى ديوانه باللغة العربية، انفتح الجدل حول واحد من أكثر...
الأخبار العاجلة تصلك أولاً على تلغرام
انضم لقناتنا لتتابع أهم الأخبار فور وقوعها، بدون تعقيد.