"غسل الركبتين" خطوة مستحبة في الوضوء؟ هذا ما تقول ورقة مطوري المساعد الإسلامي "أنصاري" إن "شات جي بي تي" كان يخبر به المستخدمين في منتصف 2025، مضيفا إلى خطوات الوضوء ممارسة لا أصل لها في المراجع الفقهية، بحسب وصف المؤلفين.
استعاد برنامج "حياة ذكية" على الجزيرة هذا المثال لعرض أخطاء وقع فيها الذكاء الاصطناعي، لكن البرنامج الذي يبث على شاشة الجزيرة لم يقف عند غرابة الإجابة. فالحلقة عرضت أيضا تحذيرات لمؤسسات دينية من الاعتماد على التطبيقات في الفتوى، في الوقت الذي تبني فيه هذه المؤسسات أدواتها المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
هنا يصبح السؤال أبعد من قدرة الآلة على ارتكاب خطأ: كيف تضبط المؤسسات ما تقوله؟ وهل يكفي إسناد الجواب إلى مرجع معتمد لضمان سلامته، أم أن ما يجري بين النص الأصلي والإجابة يحتاج إلى رقابة أخرى؟
في فتوى مؤرخة في 22 سبتمبر/أيلول 2025، قررت دار الإفتاء المصرية عدم جواز الاعتماد على تطبيقات الذكاء الاصطناعي للحصول على الفتوى. وعللت موقفها بافتقار البرامج إلى أدوات الإفتاء الكاملة، وعدم قدرتها على مراعاة اختلاف الزمان والمكان والظروف الخاصة بالسائل.
لكن هذا ليس كامل موقف الدار من استخدام التقنية. فقد نقلت الحلقة عن مفتي مصر نظير عياد قوله في أغسطس/آب 2026 إن عمل منظومة دار الإفتاء على أدوات الذكاء الاصطناعي اكتمل بنسبة 80%، وإنها تتغذى من المصادر الرسمية وتعمل بالتعاون مع أمناء الفتوى وتحت إشراف الدار. ونقل موقع مصراوي عن مؤتمره الصحفي وصفه الذكاء الاصطناعي بأنه أداة بحث مساعدة، مع تدخل أمناء الفتوى عند عجز الأداة عن الإجابة.
المسألة، وفق هذين الموقفين، وبحسب ما جاء في "حياة ذكية"، ليست الاختيار بين قبول التقنية ورفضها، بل تحديد دورها: أداة تساعد المؤسسة على البحث، أم مرجع يعتمد عليه المستخدم للحصول على الحكم؟
وفي قطر، أطلقت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تطبيق "فتوى توك"، إحدى خدمات "إسلام ويب" التابعة للوزارة، لتيسير الوصول إلى الفتاوى المعتمدة باستخدام أدوات البحث الذكي.
ووفق ما عرضه تقرير "حياة ذكية"، يبحث النظام في أرشيف الفتاوى المعتمدة، ويعيد للسائل رقم الفتوى الأصلية ورابطها، ويحيل الحالات الدقيقة إلى باحثين، ولا يصدر فتاوى جديدة.
هذا التوزيع للأدوار هو جوهر النموذج: الآلة تساعد في العثور على الإجابة، بينما يبقى أصل الفتوى مرتبطا بمصدر بشري يمكن الرجوع إليه. لكن الاسترجاع ليس الوظيفة الآلية الوحيدة في التطبيق.
فبيان وزارة الأوقاف يوضح أن "فتوى توك" يستخدم الذكاء الاصطناعي أيضا في تلخيص الفتاوى وتحويلها إلى ملفات صوتية. أي أن الخدمة لا تكتفي بإيصال القارئ إلى النص، بل تتيح له الاطلاع على معالجة مختصرة لمضمونه.
وفي تنبيه منشور على الواجهة الرسمية للخدمة، يوضح القائمون عليها أن الخصائص المدعومة بالذكاء الاصطناعي قد تتضمن أخطاء، ويوصون بالرجوع إلى نص الفتوى الكامل للتحقق من التفاصيل والدقة.
لا ينفي هذا التنبيه اعتماد الفتوى الأصلية، وإنما يميزها عن المعالجة الآلية التي تعرضها للقارئ. فلو حذف الملخص شرطا، أمكن أن يبدو الحكم أوسع مما ورد في الأصل؛ ولو اختصر عرض الخلاف إلى رأي واحد، فقد تبدو الإجابة أكثر حسما من مصدرها. وهذه احتمالات تفسر أهمية فحص الملخص، لا بسبب أخطاء ثبت وقوعها في التطبيق.
وتكشف ورقة "أنصاري" عن طبقة أخرى من هذه العملية. فالمساعد، بحسب مطوريه، يستخدم أدوات بحث في القرآن والحديث ومراجع الفقه والتفسير لبناء إجابات مسندة إلى النصوص التي يسترجعها. وتوجهه تعليمات مكتوبة إلى عرض المواقف الرئيسية في المسائل الخلافية، وعدم تقديم الرأي الأقل انتشارا بوصفه الرأي السائد.
بهذا لا تؤثر المراجع وحدها في الجواب؛ حيث إن القواعد التي تحدد كيفية الاختيار بينها وعرض اختلافها تعد مؤثرة. ومع ذلك، يقر المطورون بأن الاستناد إلى المصادر يقلل الخطأ ولا يلغيه، وبأن المساعد ليس بديلا عن عالِم مؤهل.
لذلك لا يقتصر ضبط الإجابة على إرفاق رابط بها، ولا على عبارة عامة عن الإشراف البشري. فمراجعة قاعدة المصادر تختلف عن مراجعة الملخص، وكلتاهما تختلف عن النظر في ملاءمة الجواب لحالة السائل. والسؤال العملي هو: أين يتدخل المختص، وما الذي يراجعه؟
قد يلفت "غسل الركبتين" الانتباه إلى الخطأ بسرعة. أما سقوط شرط من ملخص أو خلاف يختفي أثناء الصياغة، فقد لا يثير الاستغراب نفسه. ولهذا لا تنتهي الرقابة عند معرفة مصدر الفتوى؛ بل تمتد إلى ما جرى لها قبل أن تصل إلى السائل.