أعاد قرار تعليق تصدير الطماطم المغربية نحو الأسواق الإفريقية النقاش حول أسباب ارتفاع أسعار هذه المادة الأساسية في الأسواق الوطنية، ومدى ارتباطها بتوجيه جزء من الإنتاج نحو التصدير على حساب تموين السوق الداخلية، في خطوة تروم تعزيز العرض المحلي والحد من الضغوط التي أثقلت القدرة الشرائية للمستهلكين، وسط تساؤلات بشأن حجم تأثير هذا الإجراء على الكميات المتاحة وأسعار البيع خلال الفترة المقبلة.
وبينما يثير القرار آمالا بإمكانية عودة الأسعار إلى مستويات أكثر ملاءمة للمستهلك المغربي، تبرز في المقابل مجموعة من العوامل التي تجعل انعكاسه على السوق رهينا بأكثر من مجرد تقليص الصادرات، من بينها حجم الإنتاج الوطني، وتكاليف المدخلات الفلاحية، والظروف المناخية، فضلا عن تعدد حلقات التسويق وهوامش الربح بين أسواق الجملة والبيع بالتقسيط، وهو ما يطرح سؤالا جوهريا حول ما إذا كان تعليق التصدير كافيا لمعالجة اختلالات الأسعار، أم أنه مجرد تدبير ظرفي لن يعالج الأسباب العميقة للغلاء.
وفي هذا السياق، أكد عبد الرزاق الشابي، رئيس جمعية سوق الجملة للخضر والفواكه بالدار البيضاء، أن قرار تعليق تصدير الطماطم نحو الأسواق الإفريقية يشكل خطوة إيجابية من شأنها الحد من استنزاف المنتوجات الفلاحية الموجهة إلى السوق الوطنية، معتبرا أن التصدير، في ظل الطريقة التي يتم بها تدبيره حاليا، أصبح من أبرز العوامل التي تضغط على وفرة الخضر والفواكه وتؤثر على القدرة الشرائية للمواطنين.
وأضاف الشابي، في حديثه لموقع “برلمان.كوم”، أن القرار، رغم أهميته، يظل إجراء ظرفيا لا يشكل حلا جذريا لإشكالية ارتفاع الأسعار، موضحا أن تعليق التصدير نحو إفريقيا لا يعني وقف الصادرات بشكل شامل، باعتبار أن التصدير نحو الأسواق الأوروبية سيستمر، وهو ما يجعل معالجة اختلالات السوق الداخلية مرتبطة بقرارات أكثر شمولية تأخذ بعين الاعتبار حاجيات المستهلك المغربي قبل توجيه الإنتاج إلى الأسواق الخارجية.
وانتقد المتحدث ذاته، ما وصفه بتركيز بعض الجهات المسؤولة على المضاربين والوسطاء باعتبارهم السبب الرئيسي وراء ارتفاع الأسعار، معتبرا أن هذا الطرح يتجاهل، بحسب تعبيره، إشكالية تدبير التصدير وانعكاساتها على السوق الوطنية، ومبرزا أن الطماطم التي يتم تسويقها في مناطق الإنتاج، ولاسيما بأكادير، تتراوح أسعارها بين 10 و12 درهما للكيلوغرام، تبعا للجودة والحجم ودرجة النضج، وهو ما يدعو، حسبه، إلى ضرورة اعتماد معطيات دقيقة تعكس حقيقة الأسعار في مختلف مراحل التسويق.
وفي مقابل ذلك، أشار رئيس جمعية سوق الجملة للخضر والفواكه بالدار البيضاء إلى أن اختلال الأسعار لا يرتبط بالتصدير وحده، بل يمتد أيضا إلى الفوارق المسجلة بين أسعار البيع داخل أسواق الجملة وتلك المعتمدة في بعض المساحات التجارية الكبرى، مبرزا أن هذه الأخيرة قد تسوق المنتوجات بأثمنة تفوق بثلاث أو أربع مرات الأسعار المسجلة بأسواق الجملة، وهو ما يستدعي، وفق تقديره، مراجعة هوامش التوزيع وتعزيز مراقبة مسارات تسويق المنتوجات الفلاحية، بدل اختزال أسباب الغلاء في حلقة واحدة من سلسلة التسويق.
وشدد الشابي على أن معالجة هذه الإشكالية تقتضي فتح حوار مباشر مع المهنيين والفاعلين في القطاع، وإعداد إحصائيات دقيقة بشأن الإنتاج والاستهلاك والكميات الموجهة للتصدير، إلى جانب اعتماد رؤية متكاملة تشمل مختلف مراحل السلسلة الفلاحية والتسويقية، معتبرا أن ضمان استقرار الأسعار لا يمكن أن يتحقق من خلال قرارات ظرفية، بل يتطلب معالجة الاختلالات بشكل مستمر، من الإنتاج إلى وصول المنتوج إلى المستهلك.
ومن جانبه، أكد أمين سامي، الخبير الاقتصادي، أن قرار تعليق تصدير الطماطم نحو الأسواق الإفريقية يشكل إجراء تنظيميا مهما، وإن كان ظرفيا، يستهدف تعزيز تموين السوق الوطنية وتخفيف الضغط على الأسعار، غير أن انعكاساته الفعلية على المستهلك ستظل مرتبطة بحجم الكميات التي ستتم إعادة توجيهها نحو السوق الداخلية ومدى قدرتها على الرفع من العرض المتاح.
وأضاف سامي، في حديثه لموقع “برلمان.كوم”، أن الأسعار لا تتحدد فقط بحجم الصادرات، وإنما تتأثر بمجموعة من العوامل الاقتصادية والإنتاجية، من بينها حجم الإنتاج الوطني ومردوديته، والظروف المناخية، وتكاليف الأسمدة والطاقة والنقل، فضلا عن الوسطاء وهوامش التوزيع، مبرزا أن معطيات سنة 2025 تشير إلى أن الأسواق الإفريقية لم تستوعب سوى نحو 6.4 في المائة من صادرات المغرب من الطماطم الطازجة والمبردة، وهو ما يجعل الأثر المباشر لتعليق هذه الصادرات مرتبطا بالكميات التي ستوجه فعليا إلى الاستهلاك المحلي، خاصة في ظل استمرار التصدير نحو الأسواق الأوروبية.
وأوضح الخبير الاقتصادي أن تراجع الإنتاجية في بعض المناطق المخصصة لزراعة الطماطم، إلى جانب ارتفاع تكاليف الإنتاج، يكشف أن الإشكال لا يتعلق فقط بكيفية توزيع المنتوج بين السوق الداخلية والأسواق الخارجية، بل يمتد إلى قدرة المنظومة الفلاحية على ضمان إنتاج مستقر وبتكلفة معقولة، بما يسمح بتوفير كميات كافية تلبي حاجيات المستهلكين دون الإضرار بتوازن القطاع.
واعتبر سامي أن تعليق التصدير يمكن أن يساهم في انخفاض تدريجي للأسعار، شريطة أن يؤدي إلى ارتفاع فعلي في الكميات المعروضة داخل الأسواق الوطنية، وأن تتعزز المنافسة بين الفاعلين في قطاع التسويق، مع ضمان انتقال أي تراجع في أسعار الجملة إلى أسعار البيع بالتقسيط، حتى يلمس المستهلك الأثر المباشر لهذا القرار، بدل أن يظل التحسن محصورا في حلقات محددة من سلسلة التوزيع.
وخلص المتحدث إلى أن الرهان الحقيقي يتجاوز مجرد تعليق تصدير الطماطم نحو وجهة معينة، ليشمل إعادة تنظيم سلسلة القيمة الفلاحية من الإنتاج إلى الاستهلاك، وتعزيز الشفافية في تحديد الأسعار، وتقليص التكاليف غير الضرورية، مع حماية مصالح الفلاحين والمستهلكين في الآن ذاته، مؤكدا أن الهدف الاستراتيجي ينبغي أن يتمثل في بناء منظومة غذائية وطنية أكثر إنتاجية ومرونة وتنافسية، قادرة على تحقيق الأمن الغذائي واستقرار الأسعار، دون التفريط في المكتسبات التصديرية للمغرب.
The post تعليق تصدير الطماطم نحو السوق الإفريقية.. هل ينتصر تموين السوق الوطنية على غلاء الأسعار؟ appeared first on برلمان.كوم.