أكد الدكتور سمير صبري، عضو مجلس النواب، أن البيروقراطية السلبية وتعقيد الإجراءات وتعدد جهات الولاية تمثل أبرز التحديات التي تواجه المستثمرين في مصر، رغم التطور الكبير الذي شهدته البنية التحتية وصدور العديد من التشريعات والحوافز الاستثمارية خلال السنوات الماضية.
وقال ، خلال منتدى القاهرة الاقتصادي، إن تقييم مناخ الاستثمار لا يجب أن يقتصر على المؤشرات الاقتصادية ومعدلات النمو وحجم تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، أو عدد القوانين والحوافز التي تصدرها الدولة، وإنما يجب أن يستند بالأساس إلى تجربة المستثمر الفعلية ومدى سهولة ممارسة الأعمال على أرض الواقع.
وأضاف أن مصر حققت تقدمًا ملحوظًا في مؤشرات الاقتصاد الكلي، إذ ارتفعت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى نحو 18.4 مليار دولار خلال العام المالي 2025/2026، مقابل 12.2 مليار دولار في العام السابق، إلى جانب إصدار حزمة من التشريعات والإصلاحات الضريبية والاستثمارية، وتطوير البنية التحتية وتوفير مصادر الطاقة اللازمة للمشروعات الإنتاجية.
وأوضح أن هذه الإنجازات، رغم أهميتها، لا تعني بالضرورة انتهاء التحديات التي تواجه المستثمرين، مشددًا على أن المعيار الحقيقي لنجاح الإصلاح الاقتصادي هو انعكاس هذه الإجراءات على تجربة المستثمر، وتحسن قدرته على تأسيس المشروعات والحصول على التراخيص وبدء الإنتاج والتصدير دون معوقات إدارية.
وأشار صبري إلى أن المستثمرين المحليين والأجانب لا يضعون الضرائب أو القوانين أو الاستقرار الاقتصادي في مقدمة التحديات بالقدر الذي تمثله البيروقراطية السلبية، التي تظهر في تعدد الموافقات والجهات الحكومية، وتكرار طلب المستندات، وإحالة المستثمر من جهة إلى أخرى لاستكمال الإجراءات.
وأكد أن المشكلة لا تكمن في البيروقراطية التنظيمية الضرورية لضمان سلامة الإجراءات، وإنما في البيروقراطية السلبية التي تستهدف تجنب المسؤولية وتأجيل اتخاذ القرار، من خلال مطالبة المستثمر بالحصول على موافقات إضافية من جهات متعددة، حتى في الحالات التي تتوافر فيها المستندات والموافقات المطلوبة.
ولفت إلى ضرورة تحديد مدة زمنية واضحة ومعلنة لرحلة المستثمر، تبدأ من التقدم للحصول على أرض صناعية وتأسيس الشركة واستخراج التراخيص والموافقات اللازمة، مرورًا بإنشاء المصنع والحصول على رخصة التشغيل، وصولًا إلى بدء الإنتاج وشحن أول منتج للتصدير.
وشدد على أن الدول التي تستهدف التقدم الصناعي تضع مؤشرات زمنية محددة لهذه الرحلة، باعتبار أن سرعة الانتقال من مرحلة تخصيص الأرض إلى الإنتاج والتصدير تمثل أحد أهم معايير تنافسية مناخ الاستثمار.
وأوضح عضو مجلس النواب أن تعدد جهات الولاية على الأراضي الصناعية يمثل أحد أبرز مظاهر التعقيد الإداري، في ظل تداخل الاختصاصات بين وزارة الصناعة ووزارة الإسكان وهيئة المجتمعات العمرانية والمحافظات والهيئات الاقتصادية والشركات التابعة للدولة.
وأضاف أن المستثمر يحتاج إلى جهة واحدة واضحة تكون مسؤولة عن ملفه، وتملك القدرة على التعامل مع مختلف الجهات الحكومية وإنهاء الإجراءات والموافقات المطلوبة، بدلًا من تحمله عبء التنقل بين المؤسسات المختلفة بحثًا عن الجهة المختصة.
وأشار إلى أن الأمر لا يقتصر على الأراضي الصناعية، بل يمتد إلى عدد من الملفات الاقتصادية الأخرى، بما في ذلك تحديد الجهة المسؤولة عن التعامل مع مشكلات المشروعات الصغيرة والمتوسطة والأنشطة الاستثمارية المختلفة.
وأكد أن تحديد الجهة صاحبة الولاية والمسؤولية عن كل ملف يمثل خطوة ضرورية لتقليل زمن الإجراءات، وتعزيز المساءلة، وتوفير بيئة أكثر وضوحًا أمام المستثمرين.
وفيما يتعلق بفاعلية التشريعات الاقتصادية، دعا صبري إلى إجراء مراجعة دورية للقوانين التي صدرت بهدف تحفيز الاستثمار، للتأكد من قدرتها على تحقيق المستهدفات التي وضعت من أجلها، مشيرًا إلى أهمية تفعيل آليات قياس الأثر التشريعي بالتعاون بين مجلس النواب والوزارات المعنية.
وضرب مثالًا بقانون رقم 2 لسنة 2024 بشأن حوافز مشروعات إنتاج الهيدروجين الأخضر ومشتقاته، موضحًا أن صدور القانون والإعلان عن اتفاقيات ومذكرات تفاهم مع شركات ومؤسسات دولية لم ينعكس حتى الآن، بحسب ما أشار إليه، على دخول مشروعات إنتاجية فعلية حيز التنفيذ.
وتساءل عن أسباب عدم بدء تنفيذ مشروعات الهيدروجين الأخضر رغم الاهتمام الدولي والاتفاقيات المعلنة، وما إذا كانت هناك معوقات تشريعية أو إجرائية تستدعي مراجعة القانون أو آليات تطبيقه.
وأكد أن مراجعة التشريعات لا تعني التشكيك في أهميتها، وإنما تستهدف التأكد من أن النصوص القانونية تتحول إلى مشروعات واستثمارات حقيقية، وأن الحوافز المقدمة تحقق العائد الاقتصادي المستهدف منها.
وأشار صبري إلى أن التحولات الجيوسياسية والتوترات الإقليمية، رغم تداعياتها السلبية على حركة الاستثمار والتجارة، قد تتيح فرصًا لمصر لاستقطاب استثمارات جديدة، خاصة في ظل ما تتمتع به من موقع جغرافي واستقرار سياسي وبنية تحتية متطورة.
وكشف عن وجود اهتمام لدى عدد من الشركات الخليجية، التي تعمل في منطقة جبل علي والمناطق الحرة بدولة الإمارات، بدراسة نقل بعض استثماراتها إلى المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، في ضوء التطورات الإقليمية والبحث عن مواقع بديلة أكثر ملاءمة لاستمرار الأنشطة الإنتاجية والتجارية.
وأكد أن مصر تمتلك مقومات مهمة للاستفادة من هذه التحولات، مشيرًا إلى أهمية تسويق الفرص الاستثمارية المتاحة بصورة أكثر فاعلية، وتطوير آليات التعامل مع المستثمرين، بما يضمن تحويل الاهتمام المبدئي إلى مشروعات قائمة على أرض الواقع.
وشدد صبري على أن مصر تمتلك حزمة من الحوافز الاستثمارية التي تتجاوز ما تقدمه بعض الأسواق المنافسة، إلا أن زيادة هذه الحوافز ليست الحل الوحيد لجذب الاستثمارات، ما لم تتزامن مع تيسير الإجراءات وسرعة إصدار الموافقات وتوفير بيئة تشغيل مستقرة وقابلة للتنبؤ.
وأوضح أن المستثمر يتخذ قراره بناءً على العائد المتوقع ومقارنته بالفرص المتاحة في الأسواق الأخرى، وليس بدافع المجاملة أو العلاقات، مؤكدًا أن جذب رؤوس الأموال يتطلب توفير بيئة تتيح للمستثمر تحقيق أرباح تنافسية ومستدامة.
وأضاف أن الهدف من جذب الاستثمار لا يقتصر على زيادة التدفقات المالية، وإنما يمتد إلى توطين الصناعة ونقل التكنولوجيا وخلق فرص العمل وخفض معدلات الفقر وزيادة الحصيلة الضريبية، بما يدعم قدرة الدولة على تمويل الخدمات العامة ومشروعات البنية التحتية وتقليص عجز الموازنة.
وأكد عضو مجلس النواب أن تحقيق معدلات نمو مرتفعة لا يمثل هدفًا كافيًا في حد ذاته، ما لم تستمر هذه المعدلات وتنعكس بصورة ملموسة على مستوى معيشة المواطنين وفرص العمل والدخل الحقيقي.
وأشار إلى أن التجارب الاقتصادية الناجحة، وفي مقدمتها التجربة الصينية، تؤكد أهمية استدامة النمو على مدار سنوات طويلة، بدلًا من الاعتماد على قفزات مؤقتة لا يشعر المواطن بأثرها على المدى الطويل.
وأوضح أن توفير فرص العمل للأجيال الجديدة يجب أن يكون في مقدمة مستهدفات البرنامج الاقتصادي، من خلال تشجيع الاستثمار الإنتاجي وتوسيع القاعدة الصناعية وزيادة الصادرات.
ولفت صبري إلى أن الدولة بذلت جهودًا كبيرة في تطوير البنية التحتية، من خلال إنشاء الطرق والمحاور والكباري والأنفاق والمدن الجديدة والمدارس والمستشفيات ومشروعات الكهرباء والطاقة، إلى جانب التوسع في المناطق الحرة والمناطق الاستثمارية.
وأضاف أن مجلس النواب عمل بالتوازي على تطوير الإطار التشريعي وإصدار القوانين المحفزة للنشاط الاقتصادي، بما يوفر البنية القانونية اللازمة لجذب الاستثمارات.
وشدد على أن التحدي الرئيسي خلال المرحلة المقبلة يتمثل في تحقيق التكامل بين البنية التحتية والتشريعات وآليات التنفيذ، وتحديد جهة مسؤولية واضحة عن كل ملف اقتصادي، بما يضمن انتقال الإصلاحات من النصوص القانونية والمستهدفات الحكومية إلى نتائج ملموسة يشعر بها المستثمر والمواطن، ويسهم في تحسين مستويات المعيشة وتحقيق التنمية المستدامة.
ظهرت المقالة سمير صبري: شركات خليجية تدرس نقل استثماراتها من جبل علي لاقتصادية قناة السويس أولاً على أموال الغد.