أوضحت تيريزا ريو، التي تشغل منصب نائبة رئيس التسويق في كل من «أو إس إن بلس» و«أنغامي»، أن قطاع خدمات البث الرقمي في منطقة الشرق الأوسط يشهد تحولات جوهرية، حيث تنتقل المنافسة من مجرد جذب اشتراكات جديدة إلى التركيز على الاحتفاظ بالعملاء الحاليين وتعزيز تفاعلهم مع المنصات، وذلك في ظل الارتفاع المستمر في تكاليف الإنتاج وتعدد البدائل الترفيهية المتاحة.
وخلال مقابلة أجرتها معها صحيفة «الشرق الأوسط»، أكدت ريو أن المملكة العربية السعودية «تمثل سوقاً استراتيجية للنمو طويل الأمد بالنسبة إلى (أو إس إن بلس)»، مشيرة إلى أن «تطور تفضيلات الجمهور السعودي، وارتفاع توقعاته يدفعان المنصات إلى تبني استراتيجيات محلية تتجاوز الحملات التسويقية التقليدية».
كما توقعت المتحدثة استمرار التحولات الهيكلية في صناعة البث، مع بروز نماذج جديدة من الاندماجات بين الشركات، نتيجة للضغوط المتزايدة لتحقيق التوازن بين معدلات النمو والأرباح، مؤكدة أن «جودة المحتوى وتجربة المستخدم وكفاءة الاستثمارات عوامل رئيسة ستحدد مستقبل المنافسة».
السعودية «سوق استراتيجية»
وصفت ريو السوق السعودية بأنها «إحدى أكثر أسواق الترفيه حيوية في المنطقة، مدفوعةً بجمهور شاب ومطلع على الاتجاهات العالمية، مع اهتمام متزايد بالأعمال الدرامية الكبرى وأفلام الرعب والتشويق».
واستندت في حديثها إلى الأرقام المسجلة في قطاع السينما، حيث ذكرت أن «أفلام الرعب، مثلاً، حققت إيرادات بلغت 111.4 مليون ريال (29.7 مليون دولار) خلال عام 2025، مستحوذة على 12 في المائة من إجمالي إيرادات شباك التذاكر، لتصبح ثالث أعلى الأنواع السينمائية تحقيقاً للإيرادات في المملكة».
وفي السياق ذاته، أكدت أن «النجاح في السوق السعودية يتطلّب فهماً عميقاً للثقافة المحلية وبناء علاقات مستدامة مع الجمهور والمبدعين»، موضحة أنه «لا يمكن تحقيق النجاح في السعودية بمجرد نقل تجربة إقليمية إليها وزيادة الإنفاق الإعلاني عليها».
وبناءً على ذلك، شرحت أن «أو إس إن بلس» تعتبر المملكة اليوم «بوصفها سوقاً للنمو المستدام، وليس مجرد فرصة لزيادة المشتركين، ومن الحيوي إدراك أهمية الاستثمار في العلاقات المحلية، وتعزيز ارتباط المنصة بالمشهد الإبداعي السعودي».
وبخصوص آفاق القطاع، رأت ريو أن سوق البث في الشرق الأوسط لا يزال يحظى بإمكانات نمو واعدة، لكنه ينتقل من مرحلة التوسع السريع إلى مرحلة تصبح فيها القدرة على الاحتفاظ بالمشتركين عاملاً حاسماً. وأضافت: «إن السؤال لم يعُد يتعلق باستعداد المستهلكين لاستخدام خدمات البث، بعدما أصبحت جزءاً من حياتهم اليومية، بل بالمنصّات القادرة على الاحتفاظ بمكانة دائمة لديهم والحصول على حصة من إنفاقهم».
كذلك، لفتت الانتباه إلى أن نطاق المنافسة لم يعد مقصوراً على شركات البث التقليدية، بل توسع ليشمل منصات التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية ومقاطع الفيديو عبر الإنترنت؛ حيث أوضحت: «نحن الآن نتنافس على وقت الجمهور واهتماماته بقدر ما نتنافس مع منصات البث الأخرى... وبناءً عليه، فإن مجرّد امتلاك مكتبة واسعة من الأفلام والمسلسلات لم يعُد كافياً لضمان النجاح؛ إذ لا بد أيضاً من أن يقترن بسهولة اكتشاف المحتوى وتجربة استخدام تشجع المشاهد على العودة».
وأشارت ريو إلى الدور المتنامي لوسائل التواصل الاجتماعي «باتت تؤدي دوراً رئيساً في توجيه قرارات المشاهدة، إذ يصل كثير من المستخدمين إلى منصّات البثّ الآن بعدما يكونون قد تعرّفوا على الأعمال عبر (تيك توك) و(إنستغرام) و(يوتيوب)، أو من خلال توصيات الأصدقاء وصنّاع المحتوى».
وتابعت قائلة إن هذا التحول «بات يفرض على المنصّات تطوير استراتيجيّات تسويقيّة تبدأ قبل دخول المشاهد إلى التطبيق، مع التركيز على تسهيل الوصول إلى المحتوى المناسب».
من جانب آخر، حذرت ريو من أن «وفرة الخيارات قد تتحول إلى عائق أمام المستخدم، ذلك أن بعض المشاهدين يمضون راهناً نحو 15 دقيقة في تصفّح مئات العناوين، لكن من دون اتخاذ قرار». وشددت على ضرورة تحليل سلوك الجمهور، بما يشمل كيفية اكتشاف الأعمال وأوقات مشاهدتها واهتماماته، لتطوير المحتوى والمنتجات وتحسين تجربة الاستخدام.
الرعب والدراما يتصدّران الاهتمامات
فيما يتعلق بتفضيلات المشاهدين، أوضحت ريو أن «أسواق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تتنوّع وتختلف ثقافياً وديموغرافياً؛ ما يجعل التعامل معها بوصفها سوقاً موحّدة عملية غير دقيقة»، ثم انتقلت إلى الحديث عن استمرار الطلب القوي على الأعمال الدرامية الكبرى، إلى جانب تنامي الاهتمام بقصص الجريمة والرومانسية والرعب، «الذي تحوّل من نوع محدود الانتشار إلى فئة رئيسة تستقطب شرائح واسعة من الجمهور.... والأعمال المعروفة التي يفضّل المشاهدون إعادة متابعتها تحتفظ بأهميتها؛ إذ لا ترتبط قرارات الاشتراك بالإنتاجات الجديدة وحدها، بل تشمل أيضاً الوصول إلى مكتبة متنوعة من الأعمال المألوفة».