أكد الشيخ أحمد بن سعود السيابي، أمين عام مكتب الإفتاء في سلطنة عُمان، أن الاستشهادات التي تضمنها خطاب الملك تشارلز الثالث ملك بريطانيا خلال مأدبة العشاء الرسمية التي أقيمت في قلعة وندسور على شرف السلطان هيثم بن طارق سلطان عمان، عكست حضور التراث العُماني والعربي والإسلامي في المناسبة الملكية، من خلال حديث نبوي شريف في الثناء على أهل عُمان، وبيتين من قصيدتين لشاعرين عُمانيين، وعبارة تراثية ارتبطت بالعالم اللغوي الخليل بن أحمد الفراهيدي.
واستعرض السيابي، في تصريح له، أصول هذه الاستشهادات ودلالاتها، حيث إن الملك تشارلز استحضر جوانب من التاريخ الثقافي والديني والأدبي لسلطنة عُمان، بدءًا من الترحيب بالسلطان باللغة العربية بعبارة «مرحبًا بزائر لا يُملّ»، مرورًا بالاستشهاد بشعر أبي مسلم البهلاني والحديث النبوي في فضل أهل عُمان، وصولًا إلى إهداء السلطان بيتًا شعريًا للشاعر محمد بن شيخان السالمي، المعروف بلقب «شيخ البيان».
وأشار إلى أن عبارة «مرحبًا بزائر لا يُملّ» تحمل دلالة تراثية تعود إلى العالم اللغوي الخليل بن أحمد الفراهيدي، الذي يُنسب إلى أصول عُمانية، ويُعد من أبرز علماء اللغة العربية، ومن رواد علم العروض وواضعي معجم «العين».
وأضاف أن ياقوت الحموي أورد في كتابه «معجم الأدباء»، ضمن ترجمة سيبويه، رواية تفيد بأن الخليل بن أحمد كان يستقبل تلميذه سيبويه بهذه العبارة، تعبيرًا عن مكانته لديه وتقديره لمجالسته، مشيرًا إلى أن الرواية تذكر أن الخليل كان يقول لسيبويه «مرحبًا بزائر لا يُملّ»، ولم يكن يقولها لغيره، بما يعكس خصوصية العلاقة العلمية التي جمعت الأستاذ بتلميذه، الذي أصبح لاحقًا أحد أبرز أعلام النحو العربي وصاحب الكتاب الشهير المعروف باسم «الكتاب».
ونوه إلى أن الخليل بن أحمد الفراهيدي يعد من أبرز الشخصيات العلمية في تاريخ الحضارة العربية والإسلامية، إذ ترك إسهامات أساسية في علوم اللغة والشعر، امتد أثرها إلى الدراسات اللغوية حتى العصر الحديث.
وتابع: "ولم يقتصر حضور التراث العُماني في خطاب الملك تشارلز على اللغة، إذ استشهد أيضًا ببيت للشاعر أبي مسلم البهلاني، خلال حديثه عن ذكرياته في سلطنة عُمان وجمال طبيعتها، التي حاول رسم مناظرها خلال زياراته السابقة.
وأوضح السيابي أن أبا مسلم البهلاني، واسمه ناصر بن سالم بن عديم الرواحي، يُعد من أبرز أعلام الشعر العُماني في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، وقد اشتهر بقصائده التي جمعت بين الوجدان والتأمل والقضايا الدينية والوطنية.
وفي سياق استحضار التراث الديني، استشهد الملك تشارلز بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لو أن أهل عُمان أتيت، ما سبوك ولا ضربوك»، وهو حديث أخرجه الإمام مسلم في «صحيحه»، ضمن كتاب فضائل الصحابة، في باب فضل أهل عُمان.
وتعود رواية الحديث إلى الصحابي أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه، الذي روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رجلًا إلى حي من أحياء العرب، فسبوه وضربوه، فعاد إلى النبي وأخبره بما تعرض له، فقال له الرسول الكريم: «لو أن أهل عُمان أتيت، ما سبوك ولا ضربوك».
ويحمل الحديث ثناءً نبويًا على أخلاق أهل عُمان، وما عُرفوا به من حسن المعاملة والابتعاد عن الإساءة إلى الآخرين.
ولفت السيابي إلى أن اختيار الملك تشارلز لهذا الحديث جاء خلال حديثه عن الدور الذي تؤديه سلطنة عُمان في المنطقة، وإشادته بالتزامها بالوساطة والحوار، وما وصفه بالحياد البنّاء، فضلًا عن دورها في الحفاظ على أمن الممرات الملاحية، بما أضفى على الاستشهاد بُعدًا يربط بين الثناء النبوي على أخلاق العُمانيين ومكانة السلطنة الدبلوماسية ودورها المعاصر في دعم الحوار والوساطة.
وفي ختام الخطاب، استحضر الملك تشارلز الشعر العُماني مرة أخرى، عندما توجه إلى السلطان هيثم بن طارق قائلًا إنه يسره أن يهديه أبياتًا صاغها الشاعر العُماني محمد بن شيخان بن خلفان السالمي، المعروف بلقب «شيخ البيان».
ويُعد محمد بن شيخان السالمي من الشعراء العُمانيين الذين اشتهروا بجزالة اللغة والقدرة على صياغة المدائح والقصائد الأدبية، فيما عكست الأبيات المختارة ما تحمله القصيدة من معاني الثناء والدعاء للممدوح.
وأشار السيابي إلى أن الاستشهادات الأربعة، بحسب ما يتضح من أصولها وسياقاتها، تجمع بين إرث عُمان اللغوي والأدبي والديني، من خلال استحضار الخليل بن أحمد الفراهيدي وأبي مسلم البهلاني ومحمد بن شيخان السالمي، إلى جانب الحديث النبوي في فضل أهل عُمان، في مشهد يصل بين عمق التراث العُماني ومكانة السلطنة ودورها في العلاقات الإقليمية والدولية.