يتناول كتاب «ما بعد البيروقراطية.. مقالة في سيرورة التحول»، الصادر حديثا عن مؤسسة «الوسيط» وتقديم للأستاذ الجامعي عبد الحافظ ادمينو، المسار التاريخي لتطور الإدارة العمومية. يؤكد المؤلف سفيان جرضان أن الانتقال إلى مرحلة «ما بعد البيروقراطية» لا يعني انقطاعا جذريا مع الماضي، بل هو عملية مستمرة تتبدل فيها أساليب الإدارة، في حين تحتفظ بعض الهياكل التقليدية بوجودها بأشكال محدثة داخل الأنظمة والمنصات الرقمية، في سياق يهدف إلى تجديد شرعية الدولة وتعزيز رضا المستخدمين.
يوضح العمل الدور المحوري الذي لعبه النموذج البيروقراطي في تأسيس الدولة الحديثة من خلال تنظيم العمل وضمان استمرارية الخدمات العامة. غير أن الكتاب يشير إلى أن هذه الضوابط تحولت مع الوقت إلى عامل جمود، حيث أصبح النظام الإداري «روتينا معطلا»، وتفرق التخصص إلى «جزر معزولة»، وتراجع التدرج الإداري ليصبح سببا في «بطء اتخاذ القرار وتوزيع غير كفء للسلطة والمعلومات».
ولتجاوز هذا الركود، اتجهت الإدارة نحو مسارات إصلاحية عززت مبدأ اللامركزية، ومنحت المرتفق صفة الشريك الذي يحق له طلب تعليل القرارات، والمساءلة، وضمان جودة الخدمة، والمشاركة في صياغة السياسات العامة.
ويحلل الكتاب تطبيقات «التدبير العمومي الجديد» المستمدة من القطاع الخاص والمركزة على تحقيق النتائج، محذرا من «مخاطر التقييم الكمي المحض» الذي قد يختزل الأداء في مجرد أرقام المعاملات، أو ينقل أعباء التكاليف إلى المواطن على حساب قيم المساواة والمصلحة العامة.
تتضح هذه الإشكالية بشكل جلي في سياق «الانتقال الرقمي والذكاء الاصطناعي»، إذ يبين الكتاب أن «مَكننة وأتمتة الإجراءات دون تفكيك تعقيدها يعيد إنتاج البيروقراطية إلكترونيا». كما يؤدي ذلك إلى «نقل السلطة التقديرية إلى مصممي البرمجيات والخوارزميات، محملا المواطن أعباء وظيفية إضافية».
وعليه، يرى المؤلِّف أن هناك «حتمية المراجعة البشرية والإنصاف لضمان استيعاب الحالات الفردية التي تعجز النماذج الآلية عن معالجتها». ويختم الكتاب بتسليط الضوء على المأزق الحالي للإدارة، المتمثل في الفجوة بين تسارع الثورة التقنية، ومتطلبات الاستقرار القانوني، وتزايد توقعات المجتمع؛ مؤكدا أن مفتاح النجاح في المستقبل يكمن في «قدرة المرفق العمومي على التكيف الدائم والمزاوجة بين حداثة الأدوات وحماية البعد الإنساني في خدمة المواطن».