توصل باحثو مايو كلينك إلى أن مرض الكبد الشائع الذي يصيب نحو ثلث البالغين في العالم لا يمثل حالة واحدة، بل يتشعب إلى خمسة أنماط فرعية متمايزة بيولوجياً.
كشَفت أبحاث حديثة من "مايو كلينك" أن المرض الكبدي الشائع الذي يصيب نحو ثلث البالغين في العالم ليس مرضاً واحد، بل يتشعب إلى خمسة أنواع بيولوجية يختلف كل نوع منها عن الآخر في طبيعة المخاطر والتداعيات التي تتراوح بين مضاعفات القلب، والفشل الكبدي، وصولاً إلى الأورام السرطانية والحاجة الماسة لزراعة كبد جديد.
أوضحت الدراسة المنشورة في مجلة "Nature Communications"، والتي تمت بتعاون مشترك مع باحثين من جامعة "فيرجينيا تيك"، أن هذا الاضطراب الكبدي المرتبط باختلال الأيض لا يسلك طريقاً واحداً؛ بل تتنوع مساراته، لأنه يتأثر بعوامل كالسمنة والسكري، وعوامل وراثية وجينية.
ولفَت الباحثون الانتباه إلى أن الأنواع الفرعية ذات الجذور الجينية تنطوي على احتمالات خطيرة للإصابة بمراحل متقدمة من أمراض الكبد، وغالباً ما يظهَر هذا الخطر حتى لدى المرضى الذين لا توجَد لديهم عوامل الخطر الأيضية المعتادة.
تمهد هذه النتائج الطريق لاكتشاف الحالات الأكثر عرضة للخطر في مرحلة مبكرة، مما يتيح للأطباء إخضاعهم لفحوصات أكثر دقة واختيار خطط علاجية مناسبة لكل مريض.
تؤكد الدكتورة شولان تيان، أخصائية المعلوماتية الحيوية وأحد كبار مؤلفي الدراسة في "مايو كلينك"، أنه عند دمج البيانات السريرية مع الخرائط الجينومية بهذا الحجم الضخم، تظهَر مسارات متعددة في تطور المرض. وتضيف قائلة: إنه بمجرد عزل هذه الأنماط الفرعية وتحديدها، يصبح بالإمكان اختيار علاجات دقيقة تتطابق بدقة مع الآليات البيولوجية الفعلية المسببة للمرض.
يَنجم هذا الاضطراب الكبدي -المعروف سابقاً باسم "الكبد الدهني غير الكحولي" المرتبط باختلال الأيض- عن تراكم الدهون داخل أنسجة الكبد. وعلى الرغم من أن هذا المرض غالباً ما يتسلل بصمت ودون أعراض واضحة، إلا أنه قد يتفاقم بمرور الوقت ليسبب التهابات، وتندبات، وأضراراً جذرية في الكبد لا يمكن تداركها؛ ما يجعله في صدارة الأسباب العالمية المؤدية إلى تشمع الكبد، والأورام السرطانية، والحاجة الملحة لعمليات زراعة الكبد.
ولفك شفرة هذه الأنماط المتنوعة، ربطَ الفريق البحثي نتائج التسلسل الجيني بالبيانات السريرية الدقيقة لأكثر من 4600 مصاب بالمرض. واستندت البيانات إلى ملف شامل من المؤشرات الصحية، شمل قياس إنزيمات الكبد، ومؤشر كتلة الجسم، ومستويات الدهون، إلى جانب تقييم الأمراض المصاحِبة كالسكري، والاكتئاب، واضطرابات انقطاع التنفس أثناء النوم.
وعبر الاستعانة بتقنيات النمذَجَة الحاسوبية المتطورة، تمكَّن الفريق من رصد مجموعات من المرضى تتشارك إشارات بيولوجية كامنة؛ وهو ما قاد في النهاية إلى تصنيف واكتشاف أنماط فرعية مستقلة ومتباينة لهذا المرض.
يوضح الدكتور إريك كلي، الحاصل على الدكتوراه وأحد كبار مؤلفي الدراسة ومدير الأبحاث والابتكار المشارِك بمنطقة الغرب الأوسط، أن هذه الطريقة تفتح الباب أمام رَصد منهَجي ودقيق للمجموعات الفرعية ذات الأهمية ضمن الأمراض المعقدة. ويضيف أن هذا المنهج يمكنهم من تخطيط مسار المرض بعناية بالغة تتيح لهم رصد تطوره والتدخل العلاجي قبل بلوغه مراحل بالغة الخطورة.
اعتمد هذا الاكتشاف بشكل أساسي على "أطلس بيانات الأبحاث" في "مايو كلينك"، وهي منصّة متطورة ساهم الدكتور كلي في تأسيسها لربط الشفرة الجينية بالسجلات الطبية الشاملة، بهدف رصد الأنماط المرَضية لدى الفئات السكانية الواسعة. أسفرت عن تجميع أكبر قاعدة بيانات للإكسوم في تاريخ المركز بمشاركة أكثر من 100 ألف شخص؛ ما وفّر مخزوناً جينياً يهدف إلى تحديد كيفية نشوء الأمراض وآليات تطورها.
من جانبه، يوضح الدكتور كونستانتينوس لازاريديس، المدير التنفيذي لمركز "مايو كلينك" للطب الفردي وقائد دراسة "تابستري"، أن هذه النتائج تمثل النموذج الفعلي للرؤى العميقّة التي صُممت الأبحاث الجينومية الواسعة لأجلها. ويؤكد على أن دمج المعطيات الجينية بالسجلات السريرية التفصيلية لشريحة واسعة من السكان يفتح الباب لإعادة صياغة مفاهيم الأمراض بطرق تنعكس بشكل مباشر وملموس على جودة الرعاية الطبية المقدَّمة للمرضى.
لم تقتصر أبعاد الدراسة على أمراض الكبد فحسب، بل كشَفت وللمرة الأولى عن ارتباط أنواع فرعية محددة من هذا المرض بحالات صحية أخرى؛ كالاكتئاب، وانقطاع التنفس خلال النوم، والصداع النصفي (الشقيقة)، مما يبرهن على الامتداد الواسع والتأثير الشامل للمرض عبر مختلف أجهزة الجسم.
وفي خطواتهم المقبلة، يُخطط الفريق البحثي لتوسيع نطاق تطبيق هذا المنهج على قطاعات أوسع من المرضى، فضلاً عن تقييم مدى استجابة تلك الأنماط الفرعية لخيارات علاجية متنوعة، ويشمل ذلك العقاقير الحديثة مثل ناهضات مستقبلات الببتيد الشبيه بالغلوكاغون-1 (GLP-1).
وقد شاركَتْ في إعداد هذا البحث المؤلفة الرئيسية تهمينة سلطانة بريا، الباحثة ببرنامج الدكتوراه في جامعة "فيرجينيا تيك"، وذلك خلال فترة عملها في "مايو كلينك".