عندما يحين موعد أخذ اللقاح نفكر في أكثر وقت نشعر فيه بالراحة ونجهز أنفسنا وأطفالنا لما بعد اللقاح من تأثيرات محتملة. ولكن الآثار الجانبية للقاحات ليست واحدة، قد يعاني شخص من ألم بسيط في ذراعه بعد التطعيم، بينما يشعر الآخر بتعب وحمى وصداع، فيما لا يشعر شخص آخر بأي عرضٍ على الإطلاق. فلماذا يحدث هذا الاختلاف رغم أن اللقاح هو نفسه؟ ولماذا يعاني بعض الأشخاص من آثار جانبية أكثر وضوحاً بعد التطعيم؟ وهل تعني الأعراض الأقوى أن اللقاح أكثر فعالية، أم أن هناك اختلافات في طريقة استجابة الجهاز المناعي؟
للإجابة عن هذه الأسئلة، نَشر باحثون من جامعة جنيف ومستشفى جامعة جنيف دراسة في 17 سبتمبر 2026، كشَفت عن دور محتمل لنشاط الجهاز المناعي قبل التطعيم في تفسير اختلاف الأعراض بين الأشخاص الذين تلقوا لقاحات كوفيد-19 المعتمدة على تقنية الحمض النووي الريبي المرسال.
الآثار الجانبية للقاحات هي استجابات غير مرغوبة قد تظهَر بعد التطعيم، نتيجة تفاعل الجسم مع اللقاح. وتكون معظم الأعراض المعتادة خفيفة ومؤقتة، بينما تظل التفاعلات الخطيرة نادرة. ومن أبرز الآثار الجانبية الشائعة لبعض اللقاحات:
لا يوجد تفسير واحد لجميع الاختلافات في الاستجابة بعد التطعيم، لكن دراسة جامعة جنيف سلّطت الضوء على عامل بيولوجي قد يساعد على فهم هذه الظاهرة.
يختلف نشاط الجهاز المناعي من شخص لآخر؛ فقد أظهَرت الأبحاث أن ارتفاع نشاط مسار الإنترفيرونات المسؤولة عن تعزيز الدفاع ضد الفيروسات قبل تلقي لقاح كوفيد-19 بتقنية mRNA، يرتبط بظهور أعراض أكثر وضوحاً بعد التطعيم، مثل التعب والحمى وآلام الجسم. لكن هذا النشاط ليس العامل الوحيد الذي يحدد شدة الأعراض، ولا يمكن التوقع بها بدقة لدى كل شخص.
بعد الجرعة الأولى، يكوّن الجسم استجابة مناعية مكتسبة تشمل الأجسام المضادة والخلايا التائية التي تتعرف إلى المستضد الموجود في اللقاح. وعند تلقي جرعة أخرى، قد تتفاعل هذه المناعة مع المستضد بسرعة وبقوة، وتساهم في تنشيط بعض خلايا المناعة الفطرية، ومنها الخلايا الوحيدة التي تؤدي دوراً في الالتهاب. وقد يؤدي ذلك إلى استجابة التهابية أكثر وضوحاً لدى بعض الأشخاص. لكن من المهم التوضيح أن هذه الآلية الإضافية دُرست باستخدام نموذج حيواني؛ لذلك لا يمكن اعتبارها تفسيراً مؤكداً لجميع الأعراض التي تظهَر لدى البشر بعد الجرعة الثانية.
تشير الدراسة إلى أن أسباب اختلاف النشاط المناعي قبل التطعيم لا تزال غير مفهومة بالكامل. ويطرح الباحثون احتمال ارتباطها بعوامل مثل الاختلافات الجينية، والميكروبيوم، أو التعرض السابق لعمليات التهابية. ومع ذلك، لا تزال هذه الاحتمالات بحاجة إلى مزيد من البحث قبل تحديد دور كل عامل منها بصورة واضحة. قد تساعد الاختلافات في نشاط الجهاز المناعي على تفسير سبب اختلاف الآثار الجانبية للقاحات بين الأشخاص، لكن لا يمكن اختزال هذه الاختلافات في عامل واحد.
لا، لأن شدة الأعراض بعد التطعيم ليست مقياساً موثوقاً لمدى فعالية اللقاح. قد يشعر شخص بالحمى والتعب وآلام العضلات بعد التطعيم، بينما لا يشعر شخص آخر بأي أعراض، ومع ذلك يمكن أن تتطور لديهما استجابة مناعية واقية. والسبب أن الآثار الجانبية وفعالية اللقاح أمران مختلفان؛ فالأعراض تعكس التفاعلات التي قد تحدث بعد التطعيم، أما الفعالية فتتعلق بقدرة اللقاح على تقليل الإصابة بالمرض أو مضاعفاته. ولهذا، لا يعني غياب الأعراض أن اللقاح لم يعمل، كما لا يعني الشعور بأعراض شديدة بالضرورة أن الحماية التي يوفرها اللقاح أقوى. وقد شدد الباحثون في جامعة جنيف على أن غياب الأعراض أو كونها خفيفة لا يدل على عدم فعالية اللقاح.
تَعتمد مدة الأعراض على نوع اللقاح وطبيعة الاستجابة الفردية. وتظهَر بعض الأعراض الشائعة، مثل الألم في موضع الحقن أو التعب أو الحمى، خلال اليوم أو اليومين التاليين للتطعيم، ثم تتحسن خلال فترة قصيرة. لكن لا توجد مدة واحدة تنطبق على جميع اللقاحات؛ فقد تختلف الأعراض المتوقعة وتوقيت ظهورها من لقاح إلى آخر. إذا كانت الأعراض تتحسن تدريجياً، فقد تكون جزءاً من الاستجابة المعتادة. أما إذا استمرت مدة أطول من المتوقع، أو ازدادت شدتها، أو ظهَرت أعراض غير معتادة، فمن الأفضل استشارة الطبيب لتقييم الحالة.
على الرغم من أن معظم الآثار الجانبية للقاحات بسيطة، فإن بعض الأعراض تستدعي تقييماً طبياً عاجلاً. تشمل علامات التفاعل التحسسي الشديد والتي تتطلب رعاية الطبية الطارئة ما يلي:
تساعد الدراسة المنشورة في 17 سبتمبر/أيلول 2026 على فهم جانب من الاختلافات الفردية في الاستجابة بعد التطعيم، من خلال الربط بين نشاط المناعة قبل التطعيم وشدة الأعراض اللاحقة. لكن لا تثبت الدراسة حتى الآن أن جميع اللقاحات تسبب الآثار نفسها، ولم تحدد سبب كل عرَض جانبي. لكنها تفتح المجال أمام أبحاث مستقبلية قد تساعد على تطوير لقاحات أفضل تحملاً مع الحفاظ على فعاليتها.
تختلف الآثار الجانبية للقاحات بين الأشخاص، وقد يساهم اختلاف نشاط الجهاز المناعي في تفسير ذلك. ومع أن معظم الأعراض الشائعة مؤقتة، فإن معرفة علامات التحذير ومتى تستدعي الأعراض التقييم الطبي تظل ضرورية. إذا كنتَ تستعد لتلقي لقاح أو تلقيته مؤخراً، فتذكّر أن عدم ظهور أعراض لا يعني ضعف الحماية، وأن الشعور بالتعب أو الألم الخفيف لا يعني بالضرورة وجود مشكلة صحية. اتبع الإرشادات الخاصة باللقاح، واطلب المشورة الطبية عند ظهور أعراض شديدة أو غير متوقعة.