في ظل الضغوط المعيشية واتساع الفجوة بين الأجور وتكاليف المعيشة في سوريا، يبرز الدعم الحكومي بوصفه أحد الملفات المرتبطة بقدرة الأسر على تأمين احتياجاتها الأساسية، ولا سيما في ضوء ما عُرض بشأن الدعم في موازنة النصف الأول من عام 2026. وفي هذا السياق، يطرح الدكتور عبد الرحمن محمد، أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، تساؤلات حول جدوى الدعم النقدي الموجّه للأسر المنخفضة الدخل، وإمكان اعتماده أداة انتقالية لتخفيف الأعباء المعيشية، في ظل محدودية قدرة الاقتصاد على تحمّل زيادات واسعة في الأجور.
الدعم النقدي الموجّه
يرى محمد أن الحكومة يمكنها، قبل وصول نمو الإنتاج إلى مستوى يسمح بتحمل الزيادة الحقيقية في الأجور، استبدال الزيادة الشاملة بتحويلات نقدية موجّهة إلى الأسر ذات الدخل المنخفض، بهدف ضمان حصولها على الغذاء والاحتياجات الأساسية.
ويوضح أن تكلفة هذا النهج أقل من تكلفة زيادة الأجور على المالية العامة، كما أن الضغط التضخمي الناتج عنه أقل، لكنه يتطلب بنية تحتية لإدارة المعلومات الحضرية والريفية، وهو أمر صعب في الظروف الحالية.
ضمان الحد الأدنى للمعيشة
ويؤكد محمد أن مخاطر التضخم لا تعني أن الحكومة تستطيع التهرّب من مسؤوليتها في ضمان الحد الأدنى من سبل العيش، فمسألة الحد الأدنى للأجور في سوريا، بحسب رأيه الأكاديمي، تتجاوز نطاق تعديل السياسة، وتعكس انهيار نظام إعادة الإنتاج الاجتماعي بأكمله، نتيجة انخفاض قيمة العملة، وتدهور الطاقة الإنتاجية، واختفاء الوظائف العامة، وعدم كفاية البنية التحتية الصحية والتعليمية.
ويشير إلى أن رفع الأجور دفعة واحدة إلى مستوى يغطي تكاليف المعيشة، في ظل هذه الظروف، سيؤدي إلى دوّامة تضخّمية تكون الفئات الأكثر اعتماداً على الأجر أكبر المتضررين منها.
مسار متدرّج للمعالجة
ويحدد محمد مساراً يقوم على استخدام الدعم النقدي الموجّه في الأجل القصير بوصفه شبكة أمان انتقالية، بالتوازي مع الإصلاح الضريبي وتنظيم الأسعار في الأجل المتوسط لخفض تكلفة المعيشة، وصولاً إلى إعادة الإعمار الصناعي والزراعي باعتبارها أساساً طويل الأجل لتحسين الأجور.
ويخلص إلى أن غياب نمو الإنتاجية يجعل رفع الأرقام الاسمية للأجور إجراءً يؤجل المشكلة بدلاً من حلّها، مؤكداً أن المعيار الحقيقي لا يتمثل في عدد الأصفار المكتوبة على قسيمة الراتب، بل في قدرة الأجر على إعادة إنتاج قوة العمل.