ماذا أكتب في يوم المرأة العُمانية 17 أكتوبر من عام؟
كان هذا السؤال شغلي الشاغل، وانا أُفكِّر في يوم المرأة العُمانية، لم أكن أريد أن أضيف تهنئة أخرى الى سيل التهاني، ولا أُكرِّر عبارات الاحتفاء المعتادة، بقدر ما كنت أبحث عن زاوية تستحق التوقف عندها، وأُقدِّم المرأة كما هي في واقعنا المعاصر امتدادًا لسياقها التاريخي، ورد الاعتبار للقاعدة الطبيعية، وإعادة الهرم إلى اعتداله عوضًا عن ما قد يفهم عن قلبه؛ أي إعلاء من شأن القاعدة، وجعل الاستثناء مسألة كونية طبيعة.
كنتُ أبحثُ عن دور المرأة العُمانية الواعي في مجتمعاتها، ولم يمضِ وقت طويل حتى جمعتني الظروف بالشيخ أحمد بن سالم الرواس (أبو شهاب) رئيس مكتب الإعلام بمحافظة ظفار الأسبق، وهو إحدى الشخصيات البارزة في ظفار، وله تاريخ متجذِّر مشرف في العمل الاجتماعي، وكذلك الشيخ مسلم المسهلي إمام وخطيب جامع السلطان قابوس بصلالة.
وكان الحديث معهما فرصة للتعرف على تجربتين لافتتين لامرأتين ظفاريتيْن اختارتا خدمة مجتمعهما المحلي، وتدعوان للفخر والاعتزاز بهما، وجديرتان أن تضربا أروع الأمثلة في الأدوار الحديثة للمرأة في محافظة ظفار في يوم المرأة العُمانية. إحداهما افتتحت أكاديمية "أثر" لصناعة الوعي عند الفتيات، وإكسابهن مهارات حياتية أساسية، كالخياطة. فيما أسست الأخرى "أكاديمية الشافعي للقرآن والحديث". والمثير هنا، تخصيص المرأة أرضها السكنية وتحويلها لبناء أكاديمية الشافعي، موَّلتها بقرض من بنك إسلامي. عند هاتين التجربتين، وجدتُ أنني أمام موضوع يستحق أن أكتب عنه، لأن صاحبتيْ التجربتين امرأتان، ولأنني وجدته مدخلًا للحديث عن المرأة في ظفار بعيدًا عن الصور النمطية لبعضهن.
مبادرتا "أثر" و"الشافعي للقرآن والحديث"، تفتحان نافذة على التأمل في طبيعة الدور الذي يمكن أن توديه المرأة في بناء الإنسان وتشكيل الوعي، والإسهام في معالجة احتياجات المجتمع لوجه الله- جل في علاه- بصورة خالصة، دون أي ربح مادي مستهدف في ذاته. إنهن هنا يَقُمْنَ بصناعة التحولات الاجتماعية الإيجابية في ضوء ما تشهده مرحلتنا الوطنية من تجديد واصلاحات بنيوية شاملة. وهنا ينبغي تجديد الصورة العامة للمرأة دون الإغراق في حالات سلبية تظهر فوق السطح بجنون "الأنا" ولا ترفع رأسها للشأن العام، وإن رفعته يكون لدواعي "الأنا"، وهذا الاستثناء وليس القاعدة التي تُبنى عليها الأحكام.
وقراءة الواقع الجديد للمرأة في ظفار وسياقه التاريخي يستدعي تجاوز تلك الصورة النمطية التي تدخل في قاعدة الاستثناء، والنظر إلى ما تملكه من قدرات، وما تمارسه من أدوار، كالمرأتين صاحبتيْ مبادرتيْ "أثر" و"أكاديمية الشافعي"، وما تقدمانه من مشاريع في محيطهما الأُسري والاجتماعي والتعليمي والثقافي. فما الذي يدفع بامرأتين إلى استثمار مالهما وقتهما وجهدهما ومعرفتهما في مبادرتين تعليمتين وتربويتين دون مقابل مالي؟ ما الذي يجعل العطاء في هاتين الحالتين يتجاوز حدود العمل المُربح أو المشروع النفعي في شكله وجوهره- كمشروع تجاري مثلًا- إلى معنى أعمق يتعلق بالإنسان والمجتمع في أسمى ما يُعزِّز الكينونات على عكس التحولات الدافعة نحو تغليب المصالح النفعية؟
أي قراءة موضوعية في الدوافع ستجد أن وراءها الإحساس بالمسؤولية تجاه الإنسان والمجتمع، والشعور الواعي بأن هناك حاجة اجتماعية لا بُد من التدخل للاستجابة لها، وأن طبيعة مرحلتنا الوطنية مُنفتحة على التشاركية والمشاركة في مختلف الأدوار في ظل اتجاه الدولة نحو الثلاثية القطاعية: القطاع الحكومي والقطاع الخاص والقطاع المدني، بعد صدور قانون مؤسسات المجتمع المدني عام 2026. وبعد هذه التحولات ليس هناك مبررًا للوقوف متفرجين أو مكتوفي الأيدي!
وكذلك، الإيمان من صاحبتي المبادرتين، بأن بناء الإنسان استثمار يتجاوز العائد المالي، وأنه يدخل في جوهر العبادة كذلك؛ فالعبادة ليست صلاةً وصيامًا فحسب؛ بل هي منهج حياة، تمتد الى كل موقع وضع الله الإنسان فيه، وكل مسؤولية أؤتُمِنَ عليها، وكل خدمة يُقدِّمُها، وكل حق يؤديه، وكل مظلمة يرفعها، فلا يمكن أن يكون وراء تلكم المبادرتين إلّا قناعة دينية وأخلاقية ووطنية ترى في صناعة الوعي والتربية والتعليم وخدمة المجتمع أبوابًا للخير والأجر المستداميْن. وهنا تتجلى لنا رغبتهن الصريحة في ترك أثرٍ ممتدٍ زمنيًا وجغرافيًا على صاحبتيْ المبادرتين وغيرهن.
وكل من يُعمل فكره، ينبغي أن يذهب به بعيدًا؛ فالفتاة والفتى وكل من يكتسب وعيًا أو معرفة أو مهارة خاصة الآن، سيساعدهم على فهم ذواتهم ومجتمعهم وإحباط المخططات الخارجية ضدهم، وتفهُّم كل الظروف التي تمُر بها بلدهم، وتكون مُحصَّنة من أي اختراقات، وستنقل هذه الفتاة- مثالًا- ما اكتسبته الى أُسرتها وصديقاتها ومحيطها الاجتماعي الواسع، وتُشكِّل وعيًا ينبغي الرهان عليه. والمبادرتان نقدمهما على سبيل المثال، ويا لها من أدوار تقوم به المرأة الظفارية الآن بوعي مُتنامٍ ومجرَّد، وتظل المبادرتان مجرد نموذجين يستحقان الدراسة، وربما يكشفان عن جانب من طاقات نسائية أوسع لا تحظى بالقدر الكافي من التعريف والاهتمام.
وتاريخيًا، عُرفِتْ المرأة الظفارية بفاعليتها والقدرة على المبادرة والعطاء وتحمُّل المسؤولية وإن اختلفت مجالاته وأشكاله باختلاف الظروف الاجتماعية والاقتصادية، فلم تكن المرأة الظفارية قديمًا مُتلقِّيه لنتائج النشاط الاقتصادي والاجتماعي؛ بل كانت طرفًا فاعلًا في إنتاجها؛ إذ كان حضورها في كل تفاصيل الحياة اليومية، وأسهمت في تدبير شؤون الأسرة، ومارست أدوارًا إنتاجية ارتبطت بالبيئة والزراعة وتربية الحيوان والتعليم أو التدريس؛ أي أدوارها في نقل المعارف والخبرات والعادات بين الأجيال.. إلخ.
وقد اختلفت طبيعة هذه الأدوار من بيئة إلى أخرى داخل ظفار، تبعًا لاختلاف أنماط الاستقرار والمعيشة بين الجبل والسهل والبادية والمدينة. وهذا التنوع لا يلغي حقيقة أن المرأة كانت جزءًا من منظومة إنتاج وتعزيز القيم والهوية، وأن إسهامها لم يكن منفصلًا عن اقتصاد الأسرة وتماسك المجتمع، وكل ما يظهر على السطح من حالات سلبية لا يُمثِّل حقيقة المجتمع في مجمله؛ فالمظاهر الأكثر بروزًا ليست بالضرورة الأكثر تمثيلًا للواقع.
من هنا، يمكن القول إنَّ المرأة الظفارية لم تبدأ الفاعلية اليوم، وإنما تتخذ فاعليتها المعاصرة أشكالًا جديدة، وتنتقل بها من ميادين الإنتاج التنفيذي وتدبير الحياة الى التعليم والتأسيس المؤسسي وصناعة الوعي والمبادرات المجتمعية، وقانون مؤسسات المجتمع المدني يفتح للمبادرات الإيجابية الأبواب المشروعة.
وأخيرًا.. تحية لصاحبتيْ "أثر" وأكاديمية الشافعي" في يوم المرأة العُمانية، تحية تليق بما تحملانه من رسالة عظيمة، وتقدير يليق بما تبذلانه من عطاء، وأمنيات بأن تجد مبادرتهما ما تستحقانه من دعم واهتمام، وأن يمتد أثرهما الى أجيال من الفتيات، وقد قيل، وصدق من قال: إن المجتمعات لا تُبنى بالمؤسسات وحدها؛ بل تُبنى أيضًا بأفرادٍ يؤمنون برسالتهم، ويُبادرون لتحويل قناعاتهم إلى أعمال نافعة لمجتمعاتهم وأوطانهم.