يمثل تأهيل الشباب العُماني لسوق العمل أولوية تنموية تتطلب رؤية مُتكاملة تبدأ من التعليم المدرسي، وتمتد إلى التعليم العالي والتدريب المهني والتقني، وصولًا إلى بيئة العمل. ومع التحولات المتسارعة في الاقتصاد والتكنولوجيا، لم يعد كافيًا أن نُعدّ الطلبة للحصول على الشهادات فحسب، بل أصبح من الضروري إعدادهم بمهارات متنوعة تمكّنهم من مواكبة المتغيرات، واكتشاف قدراتهم، والاستفادة من الفرص المهنية المتاحة والمستقبلية.
ومن هنا، تبرز أهمية إعادة النظر في موقع المهارات ضمن المنظومة التعليمية، بحيث لا يُؤجَّل اكتسابها إلى ما بعد التخرج أو عند بدء البحث عن عمل، بل يبدأ بناؤها منذ الصفوف الدراسية الأولى، ويتطور تدريجيًا مع تقدم الطالب في مراحله التعليمية. فمهارات التفكير النقدي، وحل المشكلات، والتواصل، والعمل الجماعي، والإبداع، وإدارة الوقت، والتعامل مع التكنولوجيا، إلى جانب المبادرة وريادة الأعمال، ليست إضافات تجميلية للعملية التعليمية، بل قدرات أساسية تساعد الطلبة على التعلم والتكيف واتخاذ القرارات والاستعداد للحياة المهنية.
ويتطلب ذلك الانتقال من التركيز على التلقين والتحصيل النظري وحدهما إلى تعليم يمنح الطالب فرصًا للتجربة والممارسة. ويمكن تحقيق ذلك من خلال مشروعات جماعية، وتحديات عملية لحل مشكلات واقعية، وأنشطة علمية وتقنية، وبرامج مبسطة لريادة الأعمال، وتعزيز مهارات العرض والحوار والبحث. كما يمكن إدماج الثقافة المالية والوعي الرقمي والاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي في الأنشطة والمناهج المناسبة لكل مرحلة عمرية. والأهم أن تُقيَّم هذه المهارات من خلال التطبيق والممارسة، لا بالاختبارات النظرية وحدها.
وفي المراحل اللاحقة، ينبغي أن تتسع الخيارات أمام الطلبة لتشمل مسارات أكاديمية ومهنية وتقنية واضحة، تستند إلى قدراتهم وميولهم واحتياجات الاقتصاد؛ فالتعليم المهني والتقني ليس خيارًا ثانويًا لمن لا يتجهون إلى الجامعة، بل مسار مهم لإعداد كفاءات متخصصة في مجالات الصناعة، والطاقة، والصيانة، والتقنيات الرقمية، والخدمات اللوجستية، والسياحة، وغيرها من القطاعات التي تحتاج إلى مهارات تطبيقية. ومن هنا، فإنَّ التوسع في هذا القطاع يجب أن يكون أكثر وضوحًا وطموحًا، من خلال تطوير المؤسسات والتجهيزات والورش والمختبرات، وتحديث البرامج، واستقطاب مدربين مؤهلين، وبناء شراكات مباشرة مع الشركات لتوفير التدريب العملي وفرص التوظيف.
ولا يتحقق هذا التوسع بمجرد زيادة أعداد البرامج أو المقاعد التدريبية، بل يتطلب تعزيز جاذبية التعليم المهني والتقني، وتغيير النظرة المجتمعية إليه، وإبراز فرص التطور الوظيفي والدخل والتخصص التي يُمكن أن يتيحها. كما تبرز أهمية توفير إرشاد مهني مبكر يساعد الطلبة وأسرهم على التعرف إلى المهن المستقبلية ومتطلباتها، واتخاذ قرارات تعليمية تستند إلى الميول والقدرات والفرص، بعيدًا عن حصر النجاح في الحصول على شهادة جامعية فقط.
وبالتوازي مع ذلك، تحتاج مؤسسات التعليم العالي إلى تسريع تحديث مناهجها وتخصصاتها بالتعاون مع أصحاب العمل، وإدماج التدريب الميداني والمشروعات التطبيقية في البرامج الأكاديمية. كما ينبغي توسيع فرص التدريب المهني المستمر والدورات القصيرة والشهادات التخصصية، بحيث تكون متاحة للطلبة والخريجين والباحثين عن عمل والموظفين الراغبين في تطوير مهاراتهم أو الانتقال إلى مجالات جديدة. فالتعلم لم يعد مرحلة تنتهي بالحصول على المؤهل، بل عملية مستمرة تواكب تغير المهن والتقنيات.
أما على مستوى التنفيذ؛ فتبرز الحاجة إلى مسح دوري للمهارات المطلوبة في القطاعات الاقتصادية، تُبنى عليه خطط واضحة للتعليم والتدريب. ويمكن إنشاء قاعدة بيانات موحدة للفرص التدريبية، وتوسيع المقاعد المتاحة في البرامج المهنية والتقنية، وتشجيع مؤسسات القطاع الخاص على استضافة المتدربين ضمن خطط محددة الأهداف والمدة، مع قياس النتائج من خلال المهارات المكتسبة، والحصول على المؤهلات المهنية، والانتقال إلى فرص العمل. كما أن ربط بعض البرامج بالتوظيف، وتوفير مسارات تدريب تنتهي بتقييم عملي معتمد، من شأنه أن يعزز قيمة التدريب ويمنح المتدرب مسارًا أوضح نحو سوق العمل.
وفي هذا الإطار، لا تقع المسؤولية على جهة واحدة؛ فالمدارس ومؤسسات التعليم العالي مسؤولة عن تطوير أساليب التعليم، والجهات المختصة عن التخطيط والتنسيق وتوسيع الفرص، والقطاع الخاص عن المشاركة في تحديد المهارات المطلوبة وتوفير بيئات التدريب، فيما يسهم الشباب في الاستفادة من هذه المسارات ومواصلة تطوير قدراتهم. ويظل التنسيق بين هذه الأطراف عاملًا حاسمًا لضمان عدم انفصال البرامج التعليمية والتدريبية عن الاحتياجات الفعلية للاقتصاد.
وفي ظل مستهدفات رؤية "عُمان 2040"، فإن الاستثمار في المهارات والتعليم المهني والتقني يمثل استثمارًا في الإنسان وفي تنافسية الاقتصاد الوطني. والمطلوب هو الانتقال من مبادرات متفرقة إلى منظومة متكاملة تبدأ من المدرسة، وتمنح التعليم المهني والتقني مساحة أوسع، وتوفر تدريبًا متنوعًا ومستمرًا، وتقيس نجاحها بما يكتسبه الشباب من قدرات وما تفتحه أمامهم من فرص.
إنَّ بناء الجاهزية المهنية لا يبدأ عند التخرج، بل من المراحل الأولى للتعليم، حين يتعلم الطالب كيف يفكر ويبتكر ويتعاون ويحوّل المعرفة إلى ممارسة، ليكون أكثر استعدادًا لمتطلبات الحاضر وفرص المستقبل.