في الرابع من نوفمبر/تشرين الثاني 2011، نشرت في «القدس العربي» مقالا عن شخصية اسمها «باسل». لم يكن باسل شخصية حقيقية بالمعنى المباشر، لكنه كان يشبه كثيرين ممن كانوا يعيشون حولنا، وربما يشبه بعضنا أكثر مما نود الاعتراف. كان شابا يبحث عن فرصة، وعن المال، وعن مخرج من واقع ضاغط يضيّق الخيارات أمامه. ومن خلال حكايته، كتبت يومها عن علاقة الإعلام بالمواطن، وعن اتساع المسافة بين الناس والقضايا التي تمس حياتهم اليومية، وعن قصص الاحتيال التي يمكن أن تنشأ حين يصبح الاحتياج أكبر من قدرة الإنسان على الاحتمال. ويمكن قراءة المقال الذي نشرته عام 2011 في «القدس العربي» هنا:
مرت خمسة عشر عاما منذ كتبت عن باسل. وخلال هذه السنوات تغيرت أشياء كثيرة؛ تغيرت التكنولوجيا، وتغيرت وسائل الإعلام، وتغيرت طريقة الناس في الحصول على الأخبار، بل تغيرت طريقة الحديث نفسها. لكن السؤال الذي دفعني إلى العودة إلى باسل ما زال قائما: ماذا تغير في حياة الإنسان العادي؟ وهل أصبح الطريق أمامه أكثر سهولة، أم أننا فقط غيرنا شكل الصعوبات التي يواجهها؟ في عام 2011، كان باسل يبحث عن المال كي يخرج من ضيق العيش. كان يرى في المال فرصة للنجاة، فاختار طريقا خاطئا، جمع أموال الناس تحت وعود الاستثمار، ثم هرب بها، تاركا خلفه أشخاصا خسروا مدخراتهم وأحلامهم وثقتهم. لم يكن ذلك تبريرا لما فعل، ولا يمكن للفقر، أو الحاجة أن يكونا مبررا لسرقة حقوق الآخرين، لكنه كان محاولة لفهم البيئة التي يمكن أن تدفع إنسانا إلى الوقوف أمام طريقين: طريق طويل وشاق لا يعرف إلى أين يقوده، وطريق سريع يعرف أنه خاطئ لكنه يبدو أقرب إلى الخلاص. اليوم، لو عاد باسل نفسه بعد خمسة عشر عاما، فلن يكون السؤال فقط: هل ما زال يبحث عن المال؟ ربما أصبح السؤال أكثر قسوة: هل ما زال يبحث عن حياة يستطيع أن يشعر فيها بالأمان؟ فالإنسان لا يحتاج المال وحده. يحتاج إلى عمل يحفظ له كرامته، وإلى دخل يستطيع من خلاله أن يعيش، وإلى فرصة للزواج وتكوين أسرة، وإلى بيت لا يكون مجرد جدران، وإلى مستقبل يستطيع أن يخطط له من دون أن يشعر بأن كل خطة جديدة معرضة للانهيار قبل أن تبدأ. ربما كان باسل في عام 2011 يريد أن يملك شيئا، أما باسل اليوم فقد يريد فقط أن يشعر بأنه قادر على الاستمرار. وهذه ليست مسألة بسيطة كما تبدو. عندما يكبر الإنسان ويجد نفسه محاصرا بين متطلبات الحياة، وارتفاع تكاليفها، وضيق فرص العمل، ومسؤوليات الأسرة، وتأجيل الزواج، والخوف من المستقبل، فإن المشكلة لا تعود مشكلة فرد واحد. تتحول إلى سؤال اجتماعي أوسع: ماذا نفعل بالشباب الذين يريدون أن يعيشوا حياة طبيعية، لكنهم يجدون أنفسهم مضطرين إلى تأجيل أبسط أحلامهم عاما بعد عام؟ وهنا ربما يصبح من المفيد أن ننظر إلى المسألة من زاوية «ميزان القرب»، وهي المدرسة الفكرية التي أعمل على تطويرها، والتي تنطلق من فكرة بسيطة: كلما اتسعت المسافة بين الإنسان وما يحتاجه فعلا، زادت احتمالات الإحباط والابتعاد والبحث عن بدائل قد لا تكون دائما صحيحة. والقضية لا تتعلق بالعلاقات بين الأفراد فقط، فهناك أيضا مسافة بين المواطن والمؤسسة، وبين الشاب وفرصة العمل، وبين الأسرة ومتطلبات الحياة، وبين ما نسمعه من حلول وما يعيشه الناس فعلا.
قبل خمسة عشر عاما، كان باسل يحاول أن يقفز فوق واقعه بطريقة خاطئة. اليوم قد نجد الآلاف من (باسل)، لا يسرقون ولا يحتالون، لكنهم يقفون أمام واقعهم عاجزين عن معرفة الطريق الذي يمكن أن يسلكوه. بعضهم يبحث عن وظيفة، وبعضهم يعمل في أكثر من مكان، وبعضهم يترك بلده بحثا عن فرصة، وبعضهم يؤجل الزواج، وبعضهم يعيش يومه بيومه، بينما تزداد الأسئلة في داخله ولا يجد لها إجابات مقنعة. هؤلاء لا يظهرون دائما في الأخبار، ولا يملكون بالضرورة قصة صادمة تجعلهم مادة إعلامية، لكنهم موجودون، ويكبرون معنا بصمت. ولعل الفرق الأكبر بين باسل القديم وباسل الجديد أن الأول كان يريد أن يهرب من الفقر، بينما قد يكون الثاني يريد أن يهرب من الشعور بأنه عالق. وهذا الشعور أخطر مما نتصور، لأن الإنسان عندما يفقد القدرة على رؤية الطريق أمامه، لا يعود يقيس خياراته بالطريقة نفسها التي كان يقيسها عندما كان يرى أملا قريبا. ولهذا فإن معالجة مشكلات الشباب لا يمكن أن تقوم فقط على الأرقام والنسب والخطط، بل تحتاج أيضا إلى الاقتراب من الإنسان نفسه، والاستماع إلى ما يقوله وما لا يستطيع قوله. لقد تغير الإعلام كثيرا منذ عام 2011، وأصبحت المسافة بين الخبر والمواطن أقصر من أي وقت مضى من الناحية التقنية. لكن قرب الشاشة من يد الإنسان لا يعني بالضرورة قرب القضية من حياته. يستطيع الشاب اليوم أن يعرف خلال ثوان ما يحدث في أقصى العالم، لكنه قد لا يجد إجابة واضحة عن سؤال بسيط يخص مستقبله هو: ماذا سأفعل غدا؟
وهنا تعود مسؤولية الإعلام، لا بوصفه ناقلا للأخبار فقط، بل بوصفه جزءا من المجتمع. الإعلام الذي يقترب من الناس لا ينتظر دائما القصة الكبيرة، بل يبحث عن القلق الصغير الذي يتكرر في بيوت كثيرة. يتحدث عن الشاب الذي يريد الزواج ولا يستطيع، وعن الخريج الذي أمضى سنوات يبحث عن عمل، وعن العامل الذي يعمل ساعات طويلة ولا يشعر بأن دخله يكفي، وعن الأسرة التي تحاول أن تحافظ على تماسكها وسط ضغوط لا تتوقف. فهذه التفاصيل التي تبدو صغيرة عندما ينظر إليها كل شخص منفردا، تصبح قضية وطنية عندما تتكرر في آلاف البيوت. عندما كتبت عن باسل في عام 2011، كنت أكتب عن حالة رأيتها من زاوية معينة. وبعد خمسة عشر عاما، أجدني أعود إلى الشخصية نفسها لا لأكرر المقال القديم، ولا لأقول إن شيئا لم يتغير، بل لأطرح سؤالا أكثر صعوبة: ماذا فعلت بنا السنوات؟ ماذا تعلمنا من أخطائنا؟ وهل اقتربنا فعلا من الإنسان الذي نتحدث باسمه، أم أن المسافة ما زالت موجودة ولكنها أخذت أشكالا جديدة؟ لا أريد أن أظلم باسل القديم، ولا أن أبرئه.
لقد أخطأ، ومن حق الذين خسروا أموالهم أن يحصلوا على العدالة، لكنني أيضا لا أستطيع أن أنظر إليه اليوم باعتباره مجرد محتال في قصة قديمة. ربما كان باسل مرآة لمرحلة كاملة، وربما كان يحمل في داخله شيئا من أسئلة جيل كان يريد أن يعيش، لكنه لم يجد دائما الأدوات الصحيحة لذلك. وبعد خمسة عشر عاما، ما زلت أؤمن بأن الإنسان لا يحتاج دائما إلى معجزة كي يستعيد الأمل. أحيانا يحتاج إلى فرصة عادلة، وإلى عمل يحفظ كرامته، وإلى مؤسسة تسمعه، وإلى إعلام يقترب منه، وإلى مجتمع لا يتركه وحيدا أمام أزماته، وربما تكون البداية الحقيقية عندما نتوقف عن النظر إلى أمثال باسل باعتبارهم أرقاما أو حالات فردية، ونبدأ بالنظر إليهم باعتبارهم جزءا من السؤال الأكبر الذي يخصنا جميعا. لهذا عاد باسل اليوم. ليس لأنه وجد الطريق، ولا لأن قصته انتهت، وإنما لأن بعض القصص لا تنتهي عندما نغلق صفحاتها. هناك شخصيات تبقى في الذاكرة لأنها كانت تحمل سؤالا لم نجد له جوابا كاملا. وباسل الذي كتبته عام 2011 لم يكن مجرد شخصية اخترعتها لأروي من خلالها حكاية عن الإعلام والمواطن والاحتيال؛ كان سؤالا عن الإنسان عندما تضيق به الحياة. وربما لهذا السبب عدت إليه بعد خمسة عشر عاما. فبعض الشخصيات لا تكبر وحدها، بل تكبر معها البلاد التي ولدت فيها.