حمل التصريح الحكومي الذي قدمته رئيسة الحكومة المغربية فاطمة الزهراء المنصوري أمام البرلمان سلسلة من التعهدات الاقتصادية والاجتماعية، تتصدرها مضاعفة الدعم الاجتماعي ورفع الحد الأدنى للمعاشات وتحقيق نمو اقتصادي بنسبة 5%، غير أن قراءة مضامينه الرقمية تكشف عن غياب جدولة زمنية مفصلة لتنفيذ معظم الالتزامات، فيما أُرجئ تحقيق عدد من أبرز أهدافه إلى نهاية الولاية الحكومية سنة 2031، ما يجعله أقرب إلى إعلان للنوايا والتوجهات العامة منه إلى برنامج تنفيذي محدد المراحل والوسائل.
ففي المجال الاقتصادي، تعهدت الحكومة بتحقيق متوسط نمو سنوي بنسبة 5% خلال الفترة 2027-2031، وحصر التضخم في حدود 2%، وضبط عجز الميزانية عند 3% من الناتج الداخلي الإجمالي، وخفض المديونية العمومية إلى نحو 62% بحلول 2031. لكن التصريح لا يقدم سيناريوهات النمو السنوية، ولا يحدد القطاعات التي ستقود هذا النمو أو حجم الاستثمارات والموارد المطلوبة لتحقيقه، خصوصاً في ظل الالتزامات الاجتماعية الجديدة.
ويظهر غياب الجدولة الزمنية بصورة أوضح في ملف الدعم الاجتماعي، إذ تعهدت الحكومة بمضاعفة قيمته من 500 إلى 1000 درهم عند نهاية الولاية، دون تحديد مراحل هذه الزيادة أو توقيت استفادة الأسر منها. وبذلك يبقى أحد أبرز التعهدات المرتبطة بالقدرة الشرائية مؤجلاً إلى سنة 2031، دون ضمانات تنفيذية مرحلية واضحة في نص التصريح.
وينطبق الأمر نفسه على إصلاح التقاعد، حيث التزمت الحكومة برفع الحد الأدنى للمعاشات الرئيسية إلى 3000 درهم شهرياً، وتمكين الأرامل من 100% من معاش الزوج المتوفى بدلاً من 50% حالياً. ورغم الأثر الاجتماعي المحتمل لهذين الإجراءين، فإن الوثيقة لا تحدد موعد دخولهما حيز التنفيذ، ولا الكلفة المالية المترتبة عنهما أو مصادر تمويلهما، في قطاع يواجه أصلاً تحديات مرتبطة بالتوازنات المالية لأنظمة التقاعد.
وفي التشغيل، يعترف التصريح بوجود 2.9 مليون شاب خارج التعليم والتكوين والعمل، وبلوغ بطالة الفئة العمرية بين 15 و24 سنة نسبة 29.2%. ويقترح تكوين 100 ألف شاب سنوياً، وتمكين العدد نفسه من أول تجربة مهنية، ورفع طاقة التكوين بالتدرج إلى ما بين 150 ألفاً و200 ألف مستفيد سنوياً. غير أنه لا يحدد عدد مناصب الشغل الصافية التي تستهدف الحكومة إحداثها، ولا نسبة البطالة التي تتعهد بخفضها عند نهاية ولايتها.
وفي التعليم، تحدد الحكومة سنة 2031 لرفع نسبة التلاميذ المتحكمين في التعلمات الأساسية إلى 80%، وسنة 2030 لتحقيق هدف “صفر انقطاع عن الدراسة”، رغم إقرارها بمغادرة نحو 300 ألف تلميذ الدراسة سنوياً. لكن التصريح لا يوضح المسار السنوي لخفض الهدر المدرسي، ولا الموارد البشرية والمالية اللازمة لبلوغ هذه الأهداف.
وفي المقابل، يتضمن البرنامج بعض الالتزامات الأكثر تحديداً، مثل رفع التحويلات المالية للجهات إلى 12 مليار درهم ابتداءً من 2027، وتخصيص 30% من قيمة الصفقات العمومية للمقاولات الصغرى والمتوسطة المغربية، وتأهيل أو بناء 100 ألف مسكن قروي بدعم مباشر قدره 40 ألف درهم للأسرة المؤهلة. ومع ذلك، لا يقدم في معظم هذه الحالات توزيعاً سنوياً للإنجاز أو تقديراً شاملاً للكلفة.
وتبرز المفارقة الأساسية في أن الحكومة تجمع بين وعود بتوسيع الإنفاق الاجتماعي وتحسين المعاشات والدعم والسكن والتشغيل، وبين التزام متزامن بتقليص العجز والمديونية، دون تقديم إطار مالي متوسط المدى يوضح كيفية تمويل هذه التعهدات والتوفيق بينها.
ولا يقتصر هذا الغموض على الأرقام، إذ تتضمن محاور الصحة ومحاربة الفساد وإصلاح الإدارة والعدالة التزامات واسعة، لكنها تفتقر في معظمها إلى مؤشرات كمية وآجال محددة تسمح للبرلمان والرأي العام بقياس مستوى الإنجاز ومحاسبة الحكومة على النتائج.
وبينما يفترض أن يشكل التصريح الحكومي أساس التعاقد السياسي الذي تطلب بموجبه الحكومة ثقة مجلس النواب، فإن تأجيل عدد من أهدافه إلى نهاية الولاية، وغياب المحطات المرحلية ومصادر التمويل، يضعفان إمكانية تقييم أدائها خلال السنوات الخمس المقبلة.
وهكذا، فإن الإشكال لا يكمن بالضرورة في مستوى الطموح الذي تعكسه الأرقام، بل في المسافة بين إعلان الأهداف وتحديد الوسائل العملية لتحقيقها. وهي مسافة تجعل التصريح، في صيغته الحالية، أقرب إلى وثيقة تعهدات سياسية تنتظر ترجمتها إلى برامج وميزانيات وجداول تنفيذ، منه إلى خطة حكومية متكاملة قابلة للتقييم والمساءلة منذ سنتها الأولى.