أظهرت الإحصاءات أن عدد الشباب العُمانيين ضمن الفئة العمرية من 18 إلى 29 عاما بلغ 538 ألفا و491 شابا وشابة في عام 2025، مع توقعات من المركز الوطني للإحصاء والمعلومات بارتفاع هذا العدد إلى 914 ألفا و609 بحلول عام 2040. ويعني ذلك أن عُمان، التي تشهد اليوم ملامح نهضتها المتجددة، ستعتمد بعد خمسة عشر عاما على جيل يتجاوز عدده جيل الحاضر بنحو سبعين في المائة. وفي إطار الاحتفال بيوم الشباب العُماني، تبرز أهمية التساؤل عن طبيعة المجتمع الذي سيبنيه هذا الجيل، والأدوات التي سيعتمد عليها في دخول المرحلة المقبلة. يُظهر الواقع صورة معقدة تتطلب تقييما موضوعيا؛ إذ يُعد هذا الجيل الأكثر تعليما وانفتاحا على العالم في تاريخ عُمان، حيث يجلس أكثر من ثلث المواطنين على مقاعد الدراسة، ويتيح الاتصال الرقمي للشباب في أبعد القرى الجبلية الوصول إلى مكتبات العالم ومحاضرات جامعاتهم عبر الهواتف الذكية. ومع ذلك، تستدعي الأرقام المصارحة بوجود فجوة بين مخرجات التعليم ومتطلبات الاقتصاد المتغير، إذ يحمل 35 ألفا من بين نحو 85 ألف باحث عن عمل شهادات تعليم عال، وهي مسؤولية يتقاسمها قطاع التعليم وسوق العمل والشباب أنفسهم. تتجاوز التحولات المحيطة بهذا الجيل نطاق برامج التشغيل الحكومية التقليدية؛ فالذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل المهن قبل اكتمال مناهجها، بينما يسعى الاقتصاد الوطني لتنويع مصادر دخله في إقليم يشهد حروبا تعيد ترتيب التحالفات والمصالح. في هذا السياق، تصبح المعرفة رأس مال لا ينضب، وتعني قدرة الشاب على التعلم المستمر وفهم منطق العصر، من آلية صنع التقنية إلى حركة الأسواق وإدارة العلاقات الدولية. وتبقى الشهادة الدراسية مجرد بداية، ومن يتوقف عندها سيجد نفسه متلقيا لتغييرات يصنعها الآخرون. ويأتي توجه مركز الشباب، بعد صدور مرسوم إنشائه هذا العام، لتأسيس أكاديمية للذكاء الاصطناعي، كدليل على بدء المؤسسات الوطنية في استيعاب هذا التحول. إلى جانب المعرفة، يبرز دور الوعي الذي يصعب بناؤه؛ فلم يسبق لجيل عُماني أن واجه هذا الكم من المعلومات المتاحة بالتوازي مع هذا القدر من التشويش. فالخوارزميات تميل لعرض محتوى يرضي المستخدم ويحتفي بالسرعة والتسطيح، مما يدفع التأمل إلى الهامش. ويتطلب الوعي في هذه المرحلة القدرة على التمييز بين الخبر والدعاية، وقراءة الأحداث في سياقها، وفهم موقع عُمان في عالم تتنازعه القوى. وهذه مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والإعلام، ولا ينبغي حصرها في المؤسسات الشبابية وحدها. وفي صميم هذه المعادلة تقف مسألة القيم؛ فقد عُرف العُمانيون بانفتاحهم على العالم قبل أن يصبح ذلك شعارا، حيث أبحروا إلى شرق أفريقيا والهند والصين، وتاجروا مع الأمم وتفاعلوا معها، وعادوا محافظين على لغتهم وأخلاقهم ونظرتهم الخاصة للأشياء. ويستند الحديث عن التطور والجذور في عُمان إلى هذه الخبرة التاريخية المجرّبة. وتمنح ثوابت مثل التسامح والاعتدال واحترام الآخر وقيمة العمل وتوقير الكبير للشاب توازنه في أوقات الأزمات، وتحول دون أن يتحول التحديث إلى اقتلاع للهوية. وصف جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- الشباب بأنهم «ثروة الأمم وموردها الذي لا ينضب، وسواعدها التي تبني»، وتُقاس هذه الثروة بمدى حسن استثمارها. ويتوجب على المجتمع ومؤسساته منح الشباب الثقة والفرصة ومساحة للتجربة والخطأ، وفتح أبواب المشاركة في صنع القرار إلى جانب أبواب التدريب. وعلى الشباب بدورهم أن يتعاملوا مع العلم بجدية في ظل منافسة عالمية، وأن يحملوا قيمهم بثقة تعطي خطواتهم اتجاهها. ويبقى المستقبل الذي تسير نحوه عُمان متسعا لكل جديد نافع، مع الحفاظ على جوهره العُماني وخصائصه المميزة.
رؤية مستقبلية لجيل الشباب العُماني بين تحديات المعرفة وثوابت الهوية
يتوقع المركز الوطني للإحصاء والمعلومات أن يبلغ عدد الشباب العُمانيين 914 ألفا و609 بحلول عام 2040، مما يستدعي تسليط الضوء على دور هذا الجيل في بناء المجتمع ومواجهة تحولات العصر.
الأخبار العاجلة تصلك أولاً على تلغرام
انضم لقناتنا لتتابع أهم الأخبار فور وقوعها، بدون تعقيد.