طرطوس – شعبان شاميه
بدأت مديرية الزراعة في محافظة طرطوس تحضيرات ميدانية لإنشاء 50 بيتًا بلاستيكيًا عند مدخل المدينة، وذلك ضمن منحة مقدمة من الحكومة التركية إلى وزارة الزراعة السورية لدعم قطاع الزراعة المحمية وتحديث آليات الإنتاج.
ويجري تنفيذ المشروع وفق النظام التركي تحت إشراف مباشر من خبراء أتراك، بمشاركة الكوادر الهندسية في مديرية الزراعة بطرطوس.
ومن المقرر أن يتولى فريق فني متخصص متابعة مراحل المشروع وتقييم نتائجه تشغيليًا وإنتاجيًا، تمهيدًا لعرض مخرجات التجربة لاحقًا على مزارعي المحافظة، لبحث مدى نجاحها وإمكانية اعتمادها وتعميمها كبديل مطوّر عن البيوت الحالية.
وفقًا لمراسل عنب بلدي في طرطوس، تشكّل الزراعة المحمية في المحافظة ركيزة اقتصادية واجتماعية أساسية، إذ تضم المنطقة اليوم نحو 150 ألف بيت بلاستيكي، تتركز كتلتها الرئيسة في منطقتي طرطوس وبانياس.
ويؤمّن هذا القطاع الحيوي مصدر دخل مستدام لأكثر من 30 ألف عائلة، كما يسهم بفاعلية في دعم الأمن الغذائي، إذ يغطي إنتاجه كامل احتياجات السوق المحلية من الخضار، ويُصدّر الفائض منه إلى الأسواق الخارجية، ما يرفد الاقتصاد بالقطع الأجنبي.
الأتمتة “الذكية” ومواجهة “التنانين” البحرية
مدير الزراعة في طرطوس، محمد عدنان أحمد، قال في حديث إلى عنب بلدي، إن الهدف الرئيس للمشروع هو توطين الزراعة المحمية في مناطق انتشارها باعتبارها من أهم مصادر الدخل للمزارعين، وذلك عن طريق نشر التقانة الحديثة والمعتمدة عالميًا ومنها “النموذج التركي الرائد” في مجال الزراعة المحمية، بحسب تعبيره.
وأوضح أحمد أنه تم اختيار موقع تابع لأملاك الدولة قرب مدخل طرطوس بعد جسر سوق “الهال” وهو متاخم للأوتوستراد الدولي ولسوق “الهال” الرئيس، مشيرًا إلى أن هذا الموقع يحقق سهولة الحركة والقيام بالعمليات الزراعية المطلوبة ويتوفر فيه مصدر للماء والكهرباء.
وأضاف مدير الزراعة أنه تم تقديم إحاطة كاملة عن الظروف المناخية السائدة في الموقع لوفد وزارة الزراعة التركية، في إطار المعايير الهندسية والفنية لنظام البيوت التركية المزمع إقامتها في الموقع المحدد.
كما لفت إلى أن الفروقات التصميمية والإنشائية التي تميز النموذج التركي تهدف إلى جعل البيوت البلاستيكية أكثر مقاومة للظروف المناخية القاسية، لا سيما الرياح والعواصف و”التنانين” البحرية، في انتظار تطبيق هذا النموذج على أرض الواقع.
وبيّن أحمد أن النموذج التركي، بحسب الجولات الاستطلاعية للوفد التركي، مصمم للزراعات المحمية وخاصة الخضراوات بجميع أنواعها المنتشرة في محافظة طرطوس.
وأشار إلى أن تركيا بلد متقدم زراعيًا وخاصة في مجال الزراعة المحمية، وأن الهدف الرئيس المرجو من إقامة هذه البيوت المحمية هو نشر التقانة التركية المشهود لها عالميًا من حيث المتانة ومقاومة الظروف المناخية القاسية.
وتابع أن المشروع يهدف إلى إدخال الأتمتة الحديثة في عملية الإدارة لهذه النماذج من خلال حساسات الحرارة والرطوبة والضوء وغيرها، ما يسهم في ضبط عمليات الاستهلاك آليًا وترشيد الإنفاق الاستثماري، وتحقيق حماية قصوى للمحصول من جهة وللنظام البيئي بكل مكوناته الحيوية من جهة ثانية، إضافة إلى تحقيق ريعية عالية للمزارع.
“رؤية” لتعميم التجربة
أشار أحمد في ختام حديثه لعنب بلدي إلى أن مديرية الزراعة في طرطوس تتوقع نجاح التجربة التركية، كاشفًا أن المديرية ستعمل على نقلها إلى جميع مزارعي البيوت المحمية، وفق أسس ومعايير ومحددات ميسرة ومتاحة للجميع بالتنسيق مع وزارة الزراعة والجهات المعنية في المحافظة.
بين التقليدي و”الهاي تيك”
المتخصص في حماية الموارد الطبيعية النباتية والمدرّس في كلية الزراعة بجامعة “حلب”، الدكتور محمد واثق خلف، أوضح في حديث إلى عنب بلدي، أن النماذج المعتمدة في تركيا للبيوت البلاستيكية تتنوع بين التقليدي والمتطور، وفقًا للبيانات المنشورة من قبل وزارة الزراعة والغابات التركية.
ويعد النموذج التقليدي التركي هو الأقرب للنموذج السوري، إذ يعتمد على بيوت بلاستيكية (مفردة أو متصلة) ذات هياكل معدنية مغطاة بـ”البولي إيثيلين”، ويعتمد على التهوية الطبيعية، والري بالتنقيط، والزراعة المباشرة في التربة، وهو ما يطابق تمامًا الآلية المستخدمة في سوريا.
ورجّح خلف أن يكون هذا النموذج التقليدي هو المستخدم حاليًا في طرطوس بناء على الصور المتداولة، رغم الإشارة إليه بوصفه “نموذجًا تركيًا”، مشيرًا إلى وجود نماذج أخرى في تركيا، مثل “النموذج التجاري” الذي تنفذه شركات خاصة، وتكون فيه البيوت متعددة ومتصلة ببعضها، وأكثر اتساعًا.
ويتميز “النموذج التجاري” بوجود تهوية علوية وجانبية، وشبكات للحماية من الحشرات، ونظام ري وتسميد متكامل، مع تحكم آلي في الفتح والتظليل، واعتماده غالبًا على الزراعة في التربة، وأحيانًا دونها.
وأضاف خلف أن هناك أيضًا نموذج “الهاي تيك” (High-Tech)، وهي منشآت ضخمة جدًا ومؤتمتة بالكامل من حيث التحكم بالحرارة، والرطوبة، والإشعاع، والري، لتشبه معملًا إنتاجيًا متكاملًا، مستبعدًا أن يكون هذا النموذج هو المستخدم محليًا في المشروع الحالي.
وخلص إلى أن ما تظهره الصور للمشروع في طرطوس يتطابق مع النموذج التقليدي، لكن بفوارق بسيطة تشمل زيادة ارتفاع الأقواس، واستخدام نوعية أفضل وجديدة من “البولي إيثيلين”، مع اعتماد فتحات تهوية علوية وجانبية.
وأكد المتخصص في حماية الموارد الطبيعية النباتية أن هذا النموذج مناسب للبيئة السورية لأنه لا يختلف جذريًا عمّا هو مستخدم أساسًا، لافتًا في الوقت ذاته إلى أن تكلفته الإنشائية عادة ما تكون أعلى نسبيًا.
تحديات مزمنة
يعاني مزارعو البيوت المحمية في الساحل السوري من مشكلات عدة، تتمثل في ارتفاع تكاليف الإنتاج (نايلون، بذور، أسمدة)، ومن تضرر المحاصيل بسبب العوامل الجوية القاسية، مثل الصقيع والأعاصير والتنانين البحرية.
كما يواجه المزارعون صعوبة في تأمين الكهرباء اللازمة للتدفئة والري، إضافة إلى عدم الحصول على دعم حكومي مناسب أو تعويضات منطقية عن الخسائر، وكذلك منافسة البضائع المستوردة التي تؤدي إلى انخفاض الأسعار وضعف الجدوى الاقتصادية.
مناطق في ريف بانياس وقرى حريصون والقلوع والخراب ويحمور وسهل عكار، تشهد سنويًا عواصف بحرية وهوائية شديدة تلحق خسائر بالمزارعين نظرًا إلى طبيعتها السهلية المكشوفة على البحر، وسط مطالبات قديمة بإنشاء مصدّات هوائية (كأشجار السرو والصنوبر) كأبسط الحلول وأقلها تكلفة والتي لم تلقَ يومًا سبيلًا إلى آذان المعنيين.