عندما وصلت، لم تحك لي أمي شيئاً عن تعبها ومرضها ولا أبي أيضاً، لكن الأرض حكت، فأمي لم تزرع خضرتها هذه السنة في الحاكورة كما اعتادت أن تفعل كل عام. لا خيار ولا بندورة ولا خس ولا فاصولياء ولا ملوخية ولا بقدونس ولا فليفلة. لا شيء على الإطلاق، كان الجميع يثور ويغضب ويقول لأمي لا تزرعي ولا تُتعبي نفسك، سنشتري لك كل شيء، وفي النهاية، كان الجميع يتسلل إلى مساحتها الخضراء الصغيرة ليقطف ويأكل، وهي تشعر بالسعادة لأنها ما زالت قادرة على العطاء.
تنازل أبي لأخي عن الأرض منذ سنوات، لكن شيئاً لم يتغير بالنسبة إلي، كنت دوماً أعود لأرى أبي يحرثها وينظفها، يزرع التبغ ويقطفه، يتحرك وينحني ويسقي، يصعد وينزل وتتبعه أمي في كل حركة، يتسابقان أيّهما أقدر على زراعة التبغ بشكل أفضل ودائماً ما كانت أمي تفوز.
أنظر اليوم إلى الأرض، فأرى شتلات التبغ قد يبِست في مكانها ولم يقتلعها أحد، خيطان التبغ المُعلّقة على الشجر تحولت إلى زجاج بفعل القساوة ولم ينزلها أحد، شتلات متفرقة من البندورة زرعها أخي هنا وهناك اقتربت من اليباس هي أيضاً، تفاح أصابه الدود سقط عن أمّه، تيقّنت في هذه اللحظة أن الأرض قد صارت فعلاً في عهدة أخي.
بكيت بألم وتذكرت الحديث عن البركة التي تغيب عندما يرِث الأبناء الرزق، لم يعد هناك من سبب لأتجوّل في الأرض، شعرت أنها لم تعد تعنيني ما دمتُ لا أرى فيها انحناءة ظهر أبي وخضار أمي.
عزائي الوحيد أن رجاء ما زالت تزرع وقد حوّلت المساحة الصغيرة من الأرض التي يملكها زوجها إلى حياة. لم تجعل من صغر المساحة عذراً، زرعت ورق العنب والفستق الأخضر والباذنجان والبرتقال والليمون والخضرة والحنطة والتبغ وحتى الأفوكادو وكلّ صنف بحسب موسمه من السنة، ربّت الدجاج وربّت المواشي واستفادت من حليبها وبيع مواليدها إلى جانب وظيفتها واهتمامها بشؤون بيتها وأولادها وشؤون أبي وأمي، ضحك أخي مرّة عندما رآها تحلب البقرة، ولا أعلم كيف غابت عن ذهنه تلك الأيّام التي كنّا نتناوب فيها على رعي البقرة عندما كنّا صغاراً.
يسكن أحد إخوتي في الطابق الثاني ويسكن الآخر على بعد خمس دقائق فقط من منزل عائلتي، قريبون من أبي وأمي بمقدار خمس دقائق وبعيدون بمقدار عمر كامل، حضورهم يقتصر على مكالمة سريعة، تحية في الصباح، سؤال عابر عن الصحة، يعود بعدها كل واحد منهم إلى حياته، أما رجاء، فلم تكن بالعابرة أبداً، كانت هناك دائماً، تعتني بالتفاصيل التي لا يراها أحد، تترك منزلها وأولادها وتذهب لتطمئن إلى أبي وأمي، تنظّف وتطبخ وتشتري الدواء وترافق أمي إلى الطبيب.
حين تأتي لزيارة أمي تحرص على أن تجلب معها جارتها وأولادها، لا لأنها بحاجة إلى رفقة طريق، بل لأنها تعرف أن أبي وأمي يحتاجون إلى الونس بعدما خفّ حضور الأبناء.
وفوق هذا كلّه، كنت أتحدث معها لأشكو لها غربتي وتعبي دون أن أنتبه إلى أنني أضع على كتفيها عبئاً إضافياً فوق أعبائها وهمومها، عبئي أنا، سنتين ونصف سنة، لم أعلم أن أمي كانت مريضة، سنتين وهي تتقاسم معي المهمة الصعبة: تصدير صورة جميلة لأبي وأمي عن حياتي، أُخبرهما أنني بخير وعملي جيّد فتؤكد رجاء ذلك، أُخفي تعثري وغربتي عنهم، وتُخفي رجاء عني تراجع صحتهما، لا أعلم كيف استطاعت رجاء أن تحمل ذلك وحدها.
لكن دوام الحال من المحال كما يُقال، تغيّرت الظروف في سوريا وسقط النظام، كثيرون عادوا إلى القرية بعدما فقدوا وظائفهم أو غادروا خوفاً، عادوا يبحثون عن الأرض والزيتون وعن تلك البقرة التي أصبحت حلماً بسبب سعرها المرتفع، أما رجاء، فلم تكن بحاجة إلى العودة، هي لم تغادر الأرض أصلاً، بقيت من أجل أبي وأمي، من أجل أولادها وزوجها، ومن أجلي أنا.
عندما حاولت أن أستعيد في زيارتي الأولى صورة العائلة، لم أجدها في الأرض ولا في البيت ولا في الإخوة الذين ما زالوا يسكنون بالقرب من أبي وأمي، وجدتها في أختي، لم يبق لي من عائلتي التي عرفتها في طفولتي إلا ما حملته رجاء معها، وفهمت للمرة الأولى أن بعض الناس لا يرثون أكبر قطعة من الأرض ولا يحصلون على أكبر نصيب من المال، لكنهم يرثون شيئاً أثقل من كل ذلك: يرثون العائلة، ورجاء حملت حصّة العائلة كلها.