تخطّي إلى المحتوى
الثلاثاء، 20 أكتوبر 2026
عاجل
اكتشاف سلالة ثيران منقرضة جديدة في كهف دينيسوفا بروسيا تطورات درامية في الحلقة 16 من مسلسل «أحلى نصيب» نجلاء العبد الله تحتفي بعيد ميلادها بإطلالتين لافتتين تصنيف فيفا لمنتخبات السيدات: إسبانيا تتصدى والمغرب أول العرب مورينيو يحذِّر: لا أحد فوق المساءلة في ريال مدريد بعثة جزائرية تقنية تشارك في احتواء حادث بئر "غومري" النفطي بالنيجر مجلس الوزراء السعودي: نمو الاستثمارات الأجنبية يعكس قوة الاقتصاد وجاذبيته تسريبات تكشف عن بطارية 8000 مللي أمبير في هاتف Oppo Reno X المرتقب 22 متحفًا خاصًا في عسير توثق الموروث الثقافي وتعزز حضور التراث المحلي وزارة الإسكان تفتح باب الاستثمار الأجنبي في المدن الجديدة مطلع نوفمبر اكتشاف سلالة ثيران منقرضة جديدة في كهف دينيسوفا بروسيا تطورات درامية في الحلقة 16 من مسلسل «أحلى نصيب» نجلاء العبد الله تحتفي بعيد ميلادها بإطلالتين لافتتين تصنيف فيفا لمنتخبات السيدات: إسبانيا تتصدى والمغرب أول العرب مورينيو يحذِّر: لا أحد فوق المساءلة في ريال مدريد بعثة جزائرية تقنية تشارك في احتواء حادث بئر "غومري" النفطي بالنيجر مجلس الوزراء السعودي: نمو الاستثمارات الأجنبية يعكس قوة الاقتصاد وجاذبيته تسريبات تكشف عن بطارية 8000 مللي أمبير في هاتف Oppo Reno X المرتقب 22 متحفًا خاصًا في عسير توثق الموروث الثقافي وتعزز حضور التراث المحلي وزارة الإسكان تفتح باب الاستثمار الأجنبي في المدن الجديدة مطلع نوفمبر

فخّ التصريحات البراقة: عقد ونصف من تهميش الثقافة المصرية في الوعي والموازنة

ينشر "درج" هذا الموضوع في إطار مبادرة صحافية مشتركة تجمع ثماني مؤسّسات إعلامية من مصر ولبنان وتونس وسوريا، تحت شعار "لحد ما يرجعوا… التحقق مستمر"، تضامناً مع ستّة صحافيين من منصّة "متصدقش"، تحتجزهم السلطات المصرية منذ أواخر أيلول/ سبتمبر بسبب عملهم الصحافي.

20 أكتوبر 2026 13 د للقراءة 3
فخّ التصريحات البراقة: عقد ونصف من تهميش الثقافة المصرية في الوعي والموازنة

ينشر “درج” هذا الموضوع في إطار مبادرة صحافية مشتركة تجمع ثماني مؤسّسات إعلامية من مصر ولبنان وتونس وسوريا، تحت شعار “لحد ما يرجعوا… التحقق مستمر”، تضامناً مع ستّة صحافيين من منصّة “ينشر “درج” هذا الموضوع في إطار مبادرة صحافية مشتركة تجمع ثماني مؤسّسات إعلامية من مصر ولبنان وتونس وسوريا، تحت شعار “لحد ما يرجعوا… التحقق مستمر”، تضامناً مع ستّة صحافيين من منصّة “متصدقش”، تحتجزهم السلطات المصرية منذ أواخر أيلول/ سبتمبر بسبب عملهم الصحافي.“، تحتجزهم السلطات المصرية منذ أواخر أيلول/ سبتمبر بسبب عملهم الصحافي.

على رصيف محطة “المونوريل” الفاخرة في شرق القاهرة، يقف شاب في مقتبل العمر ممسكاً بهاتفه الذكي، ينتظر وسيلة نقل بلغت تكلفتها، مع بقية شبكات النقل، 4.5 مليار دولار أميركي، عبر نظام الاقتراض الدولي الميسّر. إنها وسيلة فائقة التطور، سريعة ومريحة. لكن المفارقة تبدأ عندما يركب هذا الشاب ليصل إلى قريته في أطراف الجيزة أو في أعماق الصعيد؛ هناك، حيث يتبدل المشهد تماماً.

هذا الشاب، إن كان من محافظات مثل بورسعيد أو سيناء أو الشرقية أو الإسماعيلية أو أسوان أو البحر الأحمر أو الأقصر أو قنا أو الوادي الجديد، فإنه يعيش الآن التقشف نفسه الذي عاشه نتيجة السياسات الثقافية المتبعة منذ أكثر من عقد ونصف العقد، وربما بجودة ثقافية أقل. فلدى كل سكان هذه المحافظات قاعة السينما الحكومية “الوحيدة” نفسها، والمسرح “الوحيد” نفسه، وقصر الثقافة المتهالك “الوحيد” نفسه، وربما المغلق حتى إشعار آخر لـ”التجديدات والصيانة”.

هنا نكرر كلمة “الوحيد” لتأكيد ما رصدناه بدهشة في نشرتين تابعتين للمركز القومي للتعبئة العامة والإحصاء، التابع لرئاسة الوزراء المصرية. تفصل بين النشرتين، من حيث تاريخ الإصدار، مدة عقد ونصف العقد؛ إحداهما صادرة عام 2010، في عهد الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك، والثانية، وهي نشرة الإحصاءات الثقافية لعام 2024، في عهد الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي. فالرقم المفرد لم يتحرك خطوة واحدة إلى الأمام خلال هذه الأعوام الكثيرة، وباقي المحافظات ليست أكثر حظاً.

وللمناسبة، فإن نشرة الإحصاءات الثقافية لعام 2024 هي آخر نشرة شاركها مركز التعبئة والإحصاء عن أحوال الثقافة في مصر، بعدما توقف عن إصدار النشرة نفسها للأعوام اللاحقة.

في عام 2010، ووفقاً للإحصاءات الرسمية، بلغ عدد دور العرض السينمائية الحكومية 110 دور سينما، فيما انخفض العدد إلى النصف تقريباً في عام 2024، ليصل إلى 48 دار عرض سينمائية حكومية. وفي عام 2010، كان عدد دور السينما القومية في القاهرة وحدها 36 دار سينما، وبلغت الإيرادات أكثر من مليونين ونصف المليون جنيه مصري في العام نفسه، أي ما يعادل نصف مليون دولار بسعر صرف الدولار آنذاك، الذي كان يبلغ خمسة جنيهات. فيما انخفضت إيرادات السينمات الحكومية في عام 2024 إلى خمسة ملايين جنيه، أي ما يعادل 100 ألف دولار بسعر صرف الدولار البالغ 50 جنيهاً مصرياً.

ومن بين دور السينما الحكومية الـ48 في عام 2024، الموزعة على محافظات الجمهورية الـ27، توجد 23 دار سينما في القاهرة والجيزة، فيما تتوزع البقية على المحافظات الـ25 الأخرى، بواقع دار سينما واحدة في كل محافظة. واللافت في إحصاءات العاملين أن موظفين اثنين فقط يعملان في سينما بورسعيد.

الانخفاض في إيرادات السينمات الحكومية إلى خمسة ملايين جنيه مصري ليس المفارقة الوحيدة في دراسات الإحصاءات الثقافية، بل إن ما يقارب الأربعة ملايين ونصف المليون جنيه من أصل خمسة ملايين جنيه، هي إيرادات عام 2024، أتت من سينمات القاهرة والجيزة، فيما كانت إيرادات دور العرض السينمائية في باقي المحافظات أقل من ذلك. ما يعني أن الإيرادات في باقي المحافظات هامشية تماماً، وهو ما يطرح السؤال: هل دور العرض السينمائية الحكومية معطلة؟ أم عزف المواطنون في الأقاليم عن ارتياد السينمات؟

وعلى مستوى التوزيع السينمائي، كشفت نشرة الإحصاءات الثقافية بوضوح منحنى التراجع في توزيع الأفلام المحلية على دور العرض السينمائي؛ فبعدما كانت هذه الدور توزّع 71 فيلماً درامياً و82 فيلماً كوميدياً قبل عام 2024، انخفض العدد في عام 2024 إلى عشرة أفلام درامية و16 فيلماً كوميدياً. ما يعني أن الدولة لم تستثمر فقط في وعي المواطنين بالثقافة والسينما، بل أيضاً في تحقيق عوائد من الاستثمار الاقتصادي في قطاع الثقافة، مثلما كان يحدث، ولو بوتيرة متباطئة، في عهد مبارك.

تؤكد هذه الأرقام أن السينما الحكومية سلّمت، على طبق من ذهب، الإيرادات التي كان من المفترض أن تحصل عليها من صالاتها إلى دور العرض التابعة للقطاع الخاص، التي أصبحت تمتلك قدرة أكبر على توفير تقنيات العرض وجذب الأفلام، ما يضع جهات الإشراف الثقافي أمام ضرورة حتمية لإعادة النظر في استغلال هذه الأصول القومية المهدرة.

إذا طبقنا هذا التلخيص الإحصائي على الشاب نفسه الذي كان ينتظر أمام المونوريل، وتخيلنا مثلاً أنه أحد مواطني منطقة جنوب سيناء، فلن يجد، بالتأكيد، في جنوب سيناء كلها قاعة سينما حكومية أو قصر ثقافة أو مكتبة سوى في منطقة شرم الشيخ السياحية. وإذا كان هذا الشاب يسكن في “رأس سدر” في جنوب سيناء، فعليه أن يقطع مسافة 280 كيلومتراً، أي ثلاث ساعات، ليصل إلى قصر ثقافة شرم الشيخ، وإن كان أكثر حظاً ومن سكان “أبو زنيمة”، فعليه أن يقطع مسافة 210 كيلومترات على الأقل.

وبالتأكيد، ليست جنوب سيناء وحدها التي سيعاني مواطنوها من ساعات الوصول الطويلة إلى السينما أو المسرح، فغالبية محافظات مصر مترامية الأطراف، والحديث عن سينما واحدة أو مسرح واحد في كل محافظة يُعد أشبه بوضع خدمة بالقرب من 100 ألف شخص على الأكثر، وإخراج مئات الآلاف من حق الانتفاع الثقافي.

في كل كلمة للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، يؤكد أن ملف الثقافة جزء أصيل من خطة التنمية المستدامة. وفي تصريح له خلال المؤتمر الوطني السادس للشباب، قال إن من أولوياته “استعادة هوية الدولة المصرية بعدما حاولت بعض الأيادي طمسها، وأن عملية صياغة الإنسان المصري ستكون شاملة وتعتمد على الأبعاد الفكرية والاجتماعية والثقافية”.

صدر هذا التصريح عام 2018، وبعده بست سنوات، ووفقاً للإحصاءات الثقافية لعام 2024، تبدو المؤشرات في قطاع المسرح وهيئة قصور الثقافة، مثلاً، في انحسار ملموس إذا قارناها بإحصاءات عام 2010. هذه المعدلات تدفعنا إلى التساؤل: هل تصريحات الرئيس لا تُسمع أو لا تُنفّذ؟ أم إنها مجرد تصريحات وليست تكليفات أو خططاً مدروسة تطمح إلى التطبيق؟

في عام 2010، بلغ عدد قاعات المسارح القومية على مستوى الجمهورية 37 قاعة، وفي عام 2024 بلغ عددها 40 قاعة على مستوى الجمهورية، أي إنه لم يُضف إليها سوى قاعات مسرح مدينة “الفنون والثقافة” في العاصمة الإدارية الجديدة! ما يعني أن المسارح القومية لم تخطُ هي الأخرى خطوة إلى الأمام في محافظات الجمهورية طوال عقد ونصف العقد.

في عام 2024، بلغ عدد العاملين في المسارح القومية على مستوى الجمهورية 1172 موظفاً وموظفة فقط، فيما كان عدد العاملين فيها عام 2010 يقارب الـ4568 موظفاً وموظفة. هذا الانحسار في عدد العاملين يفتح الباب للتساؤل حول حقيقة التصريحات الحكومية، التي تؤكد في كل مرة أن ميزانية وزارة الثقافة تذهب في غالبيتها إلى رواتب العاملين.

في العام الماضي، أعلنت النائبة الدكتورة مها عبد الناصر عن تحرك برلماني بتقديم طلب إحاطة إلى رئيس الوزراء ووزير الثقافة، حذّرت فيه من خطورة السياسة الحالية للوزارة، المتمثلة في التخلّي عن دورها التنويري عبر إغلاق عشرات المراكز الثقافية والمكتبات المجتمعية وتجميد نشاطها، إذ وصفت هذا التوجه بـ”الكارثة”، التي تضرب الوعي وتحارب الإبداع، مستنكرة تبريرات المسؤولين القائمة على ترشيد النفقات أو غياب الإقبال، ومدللة على ذلك بوجود أكثر من 70 منشأة مغلقة تماماً، على رغم ميزانيات تطويرها السابقة، ونحو 300 مقر ثقافي آخر خارج الخدمة في مختلف المحافظات، ولا سيما في الصعيد، نتيجة الإهمال الإداري وتهالك المباني وغياب المخصصات المالية.

هذا الخطر الذي أشارت إليه النائبة مها عبد الناصر كشفته الإحصاءات الثقافية أيضاً. ففي عام 2010، كانت وزارة الثقافة تدير 539 بيتاً وقصر ثقافة، فيما تشير بيانات حلول للسياسات البديلة إلى أن 120 قصراً وبيت ثقافة فقط لا تزال تفتح أبوابها للمواطنين في عام 2025.

وعلى مستوى المسرح، لم يزد عدد المسارح على مسرحين أو ثلاثة لكل محافظة، باستثناء القاهرة التي تحظى بحظوة تاريخية معهودة في عدد المسارح، إذ بلغ عدد المسارح القومية فيها 17 مسرحاً. فيما لا يتجاوز عدد العاملين في مسرح الأقصر الوحيد أربعة أفراد، وفي الإسماعيلية سبعة أفراد، أما أسوان، فلم يشهد مسرحها خلال عام 2024 سوى تسعة عروض. ما يفتح الباب للتساؤل حول حقيقة التصريحات الحكومية التي تؤكد في كل مرة أن ميزانية وزارة الثقافة تذهب في غالبيتها إلى رواتب العاملين.

وصرّح مستشار وزير الثقافة المصري الأسبق، خالد عبد الجليل، عام 2018 بأن “الوزارة لا تستطيع إنتاج المشروعات السينمائية والمسرحية؛ بسبب ذهاب 90 في المئة من ميزانيتها إلى رواتب الموظفين”. وتحدث عن ضرورة إنشاء شركة قابضة للاستثمارات الثقافية. وبالفعل، تأسست الشركة القابضة للاستثمار في المجالات الثقافية والسينمائية، وصدر نظامها الأساسي بالقرار الوزاري رقم 393 لسنة 2018، بهدف إدارة الأصول الثقافية والسينمائية المملوكة للدولة واستثمارها.

واستطاعت الشركة القابضة ترميم كلاسيكيات السينما المصرية وتحويلها إلى نسخ رقمية فائقة الجودة لحمايتها من الاندثار، بالتوازي مع حصر الأصول غير المستغلّة وتصنيفها، من أراضٍ واستوديوهات تاريخية ودور عرض عريقة، مثل سينمات “ميامي وديانا ونورماندي” في محافظات عدة، والعمل على تسوية النزاعات القضائية مع المستأجرين تمهيداً لرفع كفاءتها الأمنية والتقنية وطرحها للاستثمار بنظام حق الانتفاع، لجذب القطاع الخاص وتحويل هذه الثروة الثقافية إلى رافد اقتصادي ملموس.

لكن، على رغم مرور ست سنوات أيضاً على تأسيسها، لم تحقق الشركة طموحات تحويل الإبداع إلى صناعة استراتيجية كبرى، إذ واجهت تحديات هيكلية وبيروقراطية حالت دون إحداث النقلة المطلوبة. فقد انحصرت جهودها تقريباً في قطاع السينما وإدارة عقاراته، مع غياب شبه كامل للمفهوم الشامل للصناعات الثقافية الحديثة، مثل النشر الرقمي والحرف التراثية والموسيقى، بالإضافة إلى البطء الشديد في تنفيذ الشراكات الفعلية مع المستثمرين.

كما جاءت الحوادث الكارثية، مثل حريق “استوديو الأهرام” التاريخي، لتدقّ ناقوس الخطر وتكشف عن ضعف منظومة التأمين والحماية الفنية لهذه الاستوديوهات التاريخية، ما يوضح أن الشركة لا تزال مستغرقة في مرحلة الإسعافات الأولية والتسويات القانونية، ولم تتحول بعد إلى كيان استثماري عملاق قادر على المنافسة الإقليمية وتوليد أرباح ضخمة تدعم الاقتصاد القومي.

يحصل هذا كله، فيما تتواصل مستويات الهبوط. ففي ما يتعلق، مثلاً، بالإيرادات من المسارح القومية، فقد انخفضت في عام 2024 إلى أقل من 400 ألف جنيه مصري، وغابت تماماً عن المحافظات المصرية، عدا القاهرة والإسكندرية، عروض الأوبرا والباليه والأوبريت. ولم تحظَ أوبرا الإسكندرية بهذا النوع من العروض سوى بثلاثة عروض أوبرا وأربعة عروض أوبريت، وصفر عرض باليه، فيما سجّلت باقي المحافظات “صفراً” في جميع العروض، باستثناء عروض الفنون الشعبية. ما يعني انتقائية العرض الفني وحصر الذوق في الرقص الشعبي فقط في قطاع الفنون، وحرمان ملايين المصريين من باقي الفنون الأدائية.

يلخّص هذا التناقض الصارخ الأزمة الراهنة التي يعيشها الفضاء الثقافي في مصر اليوم. إذ تتحدث التصريحات الرسمية عن “طفرة غير مسبوقة”، وافتتاح صروح عملاقة كمدينة الفنون والثقافة بالعاصمة الإدارية، وشركة ثقافية قابضة، وتنظيم عشرات الآلاف من الفعاليات والأنشطة السنوية. لكن على أرض الواقع، ووفقاً للنشرات الإحصائية الرسمية، يتساءل المواطن البسيط والمثقف على حد سواء: أين ذهب الأثر الثقافي الملموس؟ أين اختفت المطبوعات الزهيدة التي كانت تملأ الشوارع؟ ولماذا تبدو العوائد والأنشطة الحقيقية ضئيلة مقارنة بما كان يحدث قبل عقد ونصف العقد، وتحديداً في عام 2010؟

تتكشف المأساة الحقيقية لإهمال الأصول الثقافية في قصة التفكيك التدريجي لمشروع “مكتبة الأسرة” وأساطيل المكتبات المتنقّلة، وهي التجربة التي وُلدت عملاقة في تسعينات القرن الماضي، واكتسبت زخمها الأكبر حتى عام 2011، إذ ارتبطت تاريخياً وبشكل وثيق بمهرجان “القراءة للجميع” عام 2011، وقامت على حسّ اقتصادي وثقافي يحافظ على الآلية التشغيلية الناجحة للمشروع، مع الاكتفاء بتغيير اسمه أو حذف صورة سوزان مبارك من خلفية المطبوعات. لكنّ حذراً سياسياً مفرطاً وخوفاً من الارتباط بالعهد الأسبق تملّكا الإدارة، ما دفعها إلى إهمال التجربة بالكامل وتفكيك شبكات العلاقات التمويلية الذكية التي كانت تدعمها. ترك هذا الانسحاب فراغاً هائلاً تمثّل في تعطيل ظاهرة الكتب الزهيدة على الأرصفة، التي كانت تُباع يومياً عند باعة الجرائد وتصل إلى كل مواطن.

لم يُجهَض مشروع “مكتبة الأسرة” لإيجاد بديل، بل أدى إجهاضه إلى شلل في عقلية التسويق والاستثمار داخل الهيئات الثقافية الحالية، التي تفتقر تماماً إلى المرونة الاقتصادية التي ميّزت الماضي. فتحولت منافذ بيع الهيئة العامة للكتاب وقصور الثقافة إلى مجرد مخازن كئيبة مكدّسة بالكتب الراكدة التي لا يشتريها أحد، نتيجة ضعف التوزيع. وبدلاً من جذب معلنين ورعاة لتمويل الطباعة كما كان يحدث سابقاً، أصبحت الهيئات عبئاً تمويلياً كاملاً على خزانة الدولة، بعوائد مالية مضحكة تكاد تكون منعدمة.

وتزامن هذا الجمود الإداري مع قفزات جنونية في أسعار خامات الإنتاج، من ورق وأحبار ومستلزمات طباعة مستوردة، بسبب أزمات العملة والدولار، ما خلق فارقاً جوهرياً في بنية الدعم الحكومي. فبينما كان الدعم في عام 2010 يوجَّه مباشرة إلى المنتج النهائي، ليصل الكتاب إلى المواطن البسيط برخص التراب وعلى الأرصفة بجوار الجرائد اليومية، بات الدعم الحالي يبتلعه الجهاز البيروقراطي في صورة مكافآت ومرتبات للقيادات الإدارية خلف المكاتب. وأدى ذلك إلى ارتفاع أسعار إصدارات الدولة بشكل حاد، لا يناسب مطلقاً الطبقات المتوسطة والفقيرة، وضاع معه الهدف التنويري الأساسي للمشروع القومي.

وفي محاولة متأخرة لمحاكاة النجاحات الماضية، أطلقت الإدارة الحالية مشروعاً مستحدثاً، وهو “كشك كتابك”، الذي انطلق بعد عشر سنوات من إجهاض مشروع “مكتبة الأسرة”، كجزء من مبادرات قرى “حياة كريمة”، إلا أن المقارنة بين المشروعين صارخة، والفجوة كبيرة.

فمشروع “مكتبة الأسرة” التاريخي كان، في جوهره، مشروع نشر وإتاحة وصناعة محتوى يقوم على إعادة طباعة الكتب بمئات الآلاف من النسخ وبيعها على الأرصفة للمواطنين لخفض أسعارها، بينما يرتد مشروع “كشك كتابك” الحالي إلى مجرد عقلية منافذ العرض والبيع الخارجي، حيث تُستخدم الأكشاك الخشبية المصممة للميديا واجهاتٍ لتصريف الكتب القديمة والراكدة في المخازن الحكومية وعرضها.

هذا التركيز على الإنشاء الهندسي للأكشاك الخشبية الفاخرة التي سرعان ما تُهجَر وتُغلَق، بسبب غياب آليات التشغيل اليومي والمتابعة، يبرهن علمياً على أن تراجع العائد الثقافي لا يعود إلى نقص الأفكار، بل إلى تحوّل الإدارة من المرونة الاقتصادية التي تخترق الشارع إلى الجمود البيروقراطي الاستعراضي الذي يستهلك المورد العام من دون أثر حقيقي مستدام في وعي المواطن.

في دراسة المبادرة المصرية للحقوق الشخصية بعنوان “موازنة 2026/2027: تسوية الدفاتر لا تكفي… الفائض الأولي لا يحقق التنمية ولا يحمي من المخاطر”، اعتمد إجمالي الموازنة بنسبة 49.1 في المئة على الاقتراض، و43.2 في المئة على الضرائب، و1.3 في المئة على حيازة الأصول، و6.2 في المئة على إيرادات أخرى، ما يعني أن الإنفاق على باب الثقافة في الموازنة انسحب إلى هامش الهامش.

تُظهر الدراسة أنه عند قياس موازنة وزارة الثقافة بين عامي 2010 و2024، فإنها تواجه تراجعاً حاداً في قدرتها التمويلية الفعلية. فعلى رغم نموها الرقمي الظاهري بمقدار 2.3 مرة بالعملة المحلية، فإن تقويمها بأسعار الصرف الدولية يكشف عن انكماش بنسبة 72.6 في المئة، فيما يُظهر قياسها بمعدلات التضخم وتضاعف أسعار المدخلات المحلية خسارة فعلية في قيمتها التمويلية بنسبة تتجاوز الـ55 في المئة. هذا الفارق بين النمو الاسمي والانكماش الفعلي يفسّر برهانياً عجز الإدارة الحالية عن صيانة المرافق الثقافية الإقليمية وتشغيلها مقارنة بعام 2010.

تضعنا الأرقام والوقائع أمام أسئلة ضرورية، منها: هل أزمة الثقافة في مصر عام 2026 أزمة “أموال” فقط، كما تروّج الإدارة الحكومية دائماً، أم إنها في جوهرها أزمة كفاءة ونزاهة وغياب استراتيجية فاعلة؟

الأخبار العاجلة تصلك أولاً على تلغرام

انضم لقناتنا لتتابع أهم الأخبار فور وقوعها، بدون تعقيد.

انضم الآن
Vivo تختبر ترقية كبيرة لمستشعر التقريب في X500 Ultra بعد 3 أجيال دون تغيير ثقافة وفنون

Vivo تختبر ترقية كبيرة لمستشعر التقريب في X500 Ultra بعد 3 أجيال دون تغيير

هذا الموضوع Vivo تختبر ترقية كبيرة لمستشعر التقريب في X500 Ultra بعد 3 أجيال دون تغيير ظهر على التقنية بلا حدود. تختبر Vivo ترقية كبيرة لكاميرا التقريب في هاتفها الرائد المرتقب X500 Ultra، إذ تشير تسريبات جديدة إلى تزويده بمستشعر بدقة 200 ميجابكسل وحجم 1/1.12 بوصة، مقارنةً بمستشع...

منذ ساعة
مَن يشعر بالألم أكثر... النساء أم الرجال؟ ثقافة وفنون

مَن يشعر بالألم أكثر... النساء أم الرجال؟

هل تختلف درجة الشعور بالألم بين النساء والرجال؟ سؤال سعت دراسة عالمية واسعة النطاق إلى الإجابة عنه، لتكشف نتائجها أن النساء يعانين من الألم بمعدلات أعلى.

منذ ساعة
22 متحفًا خاصًا في عسير توثق الموروث الثقافي وتعزز حضور التراث المحلي ثقافة وفنون

22 متحفًا خاصًا في عسير توثق الموروث الثقافي وتعزز حضور التراث المحلي

سجل تقرير الحالة الثقافية 2025م تسجيل 22 متحفًا خاصًا مرخصًا في عسير، لتكون ضمن الأعلى في المملكة، مساهمة في حفظ التراث وتعزيز السياحة الثقافية.

منذ 3 ساعات
تسريبات تكشف تصميم ومواصفات Moto G47 Power قبل إطلاقه ثقافة وفنون

تسريبات تكشف تصميم ومواصفات Moto G47 Power قبل إطلاقه

ظهرت صور مسربة لهاتف Moto G47 Power من موتورولا قبل إعلانه الرسمي، كاشفة عن تصميمه وبطارية ضخمة بسعة 7000 مللي أمبير، بعد رصده في قاعدة بيانات EPREL.

منذ 4 ساعات