يحرص مهرجان الجونة السينمائي الدولي في كل دورة من دوراته على مشاركة الأفلام التي تُثير الجدل والخيال وتطرح بعض الأسئلة الذهنية على المُتلقي، وهذه واحدة من طُرق الدعاية الذكية التي يتبعها المُنظمون للفعاليات قبل بداية الماراثون السنوي، لتسليط الأضواء بكثافة على الحدث الفني، والاستحواذ على اهتمام السينمائيين والجمهور على حد سواء. وكثيراً ما فلحت طُرق ووسائل الدعاية المُختلفة بالفعل إزاء التحضير لكل دورة جديدة، وعلى ذلك فمن المتوقع أن تشهد الدورة التاسعة الوشيكة نجاحاً وتُحدث صدى، ربما أكثر من المطلوب لطبيعة الأفلام المُشاركة وما تطرحه من موضوعات وأفكار تقترب وتبتعد عن الواقع المُعاش بدرجات، فمنها الفانتازي ومنها الواقعي، حيث تباين الرؤى وتنوع المدارس السينمائية وتعدد جهات الإنتاج التي تُشجع أحياناً على وجود أنماط غير تقليدية، وتدفع باتجاه العزوف عن المُكرر والاعتيادي في ما يتم إنتاجه، لاسيما ما يتعلق بالتجارب ذات الإنتاج مُتعدد الأطراف.
«الخبيث» هو عنوان الفيلم الأهم والأكثر جذباً بين الأفلام المشاركة، ولعل ذلك ناتج عن غرابة العنوان ومضمون الفكرة والأحداث، فهو يتناول واقع قرية مصرية ينتشر فيها مرض عُضال يُصيب النساء ويؤثر على الحالة النفسية للبطل «فتحي»، ذلك الصياد البسيط الذي يعيل أمه وزوجته وشقيقته ويجد نفسه في مأزق حيال الأزمة التي من المُفترض أن يحمي عائلته منها وهو لا يملك مقومات التدخل لحمايتها أو حماية نفسه. يطرح الفيلم الروائي القصير في زمن محدود مفهوماً خاصاً لمستويات الرعب السينمائي والتأثير النفسي الناجم عن الصدمات التي تُسببها المواقف والأزمات للإنسان، بدون تقديم حلول جذرية أو مؤقتة، لكنه في نفس الوقت يعمل على خلق نوع من التوتر لاستكشاف ما تحويه الذاكرة وما يتراكم بداخلها من مخاوف. مخرج الفيلم، جاد شاهين خريج المعهد العالي للسينما، عمل مساعداً للمخرج يسري نصر الله وسبق له تقديم فيلم بعنوان «الترعة»، تم عرضه في مهرجان كان عام 2023 وحصل من خلاله على جائزة مهمة بالمسابقة الرسمية وهو يقوم حالياً بالتحضير لفيلم روائي طويل بعنوان «تحت السما الخضرا».
ومن بين الأفلام المتميزة أيضاً، والمشاركة بالمسابقة الرسمية لمهرجان الجونة المُنحصرة دورته التاسعة في الفترة ما بين 15 تشرين الأول/أكتوبر الجاري إلى 23 من نفس الشهر، فيلم «خروج آمن» للمخرج محمد حماد، والذي تدور أحداثه حول شاب يُدعى سمعان، يهوى كتابة القصص والروايات ويتعرض في طفولته لحادث مؤلم، حيث يُشاهد والده وهو يٌقتل على يد أحد المُتطرفين في حادث إرهابي فادح فتتكون لديه صدمة يعيش فيها طويلاً، لكنه يُشفى منها بعد لقائه بسيدة تربطه بها علاقة صداقة عميقة يخرج بموجبها من جو الكآبة والمرض، ويتحرر من الأسوار التي فرضها على نفسه طوال فترة الخوف والتوتر.
ويمتد الخط على استقامته في فعاليات الجونة، فيأتي الفيلم الثالث «ارتباك» لمخرجته مريم عبد الجابر، مؤكداً على ذات الاتجاه من حرص المهرجان على اختيار الأفلام القصيرة ذات الدلالات المُلغزة، الموحية في كثير من الأحيان بتفاقم الأزمات الاجتماعية والإنسانية وحدتها، بدءاً من العناوين وانتهاءً بالمضامين التي تتفق عادة مع التوجه العام الذي يعكس الحالات المأسوية ويركز عليها، في محاولة للبحث عن حلول لها أو كشفها باعتبار ذلك تبصيراً بأخطارها وتحصيناً واجباً من عواقبها. لكن مع التحفظ على الاختيارات الخاصة للأفلام التي تحمل وجهات نظر سلبية، وتشير إلى بعض النقائص، لا يخلو الأمر من إيجابيات لابد من الاعتراف بها والإشارة إليها. على سبيل المثال، اهتمام المهرجان بالسينما الفلسطينية والعناية بالقضايا التي تطرحها، والتي تصب في صالح الشعب المُحاصر خلف الأسوار الشائكة والمُهدد بالإبادة في كل لحظة تدفع فيها قوات الاحتلال بتعزيزات جديدة لتطويق المناطق السكنية وعرقلة الحركة بداخلها، بالإضافة إلى استهداف شرق وغرب وشمال وجنوب، قطاع غزة والعمل على تدمير البقية الباقية منه، بما فيها الخيام التي تُقتلع أوتادها لينزح من فيها بحثاً عن أماكن أخرى أقل خطورة، وهذا الفعل دأبت عليه إسرائيل منذ حرب السابع من أكتوبر وما زالت تُمارسه بكل قسوة وصلف. ما يجدر بالإشارة في هذا الصدد هو الدعم الحقيقي للأفلام الفلسطينية وإتاحة الفرصة كاملة لعرضها في المحفل الدولي المهم الذي لا يُمكن إغفال تأثيره الإيجابي ودعمه الفعلي للقضية. الفيلم الذي حرص مهرجان الجونة على عرضه ومشاركته كنموذج مُعتبر يُمثل السينما الفلسطينية، يحمل عنوان «عودة كابتن كابونجا» وهو وثائقي من إخراج أمير الشناوي ومدعوم إنتاجياً من عدة دول بجانب جهة الإنتاج الفلسطينية، وتتلخص أحداثه في تعاطف ثلاثة أطباء أمريكيين استطاعوا التسلل إلى داخل غزة للاطلاع على ما يحدث فيها والوقوف على حقيقة ما يجري بها، بعيداً عن الأكاذيب الإسرائيلية وآلة الدعاية الصهيونية التي تروج الأباطيل وتزيف الواقع المأسوي الذي يئن تحت وطأته أكثر من مليوني فلسطيني يواجهون الموت ويقاومونه يوماً تلو اليوم على مدار الساعة!