طور باحثون جهازاً إلكترونياً صغيراً، قابلاً للزرع داخل الجسم، يعمل لاسلكياً على إزالة السكر الزائد من الدم، دون حاجة إلى الإنسولين أو الأدوية، في تقنية تجريبية نجحت في إعادة مستويات الجلوكوز إلى طبيعتها خلال ساعة واحدة، وساعدت على خفض الوزن والدهون لدى فئران مصابة بالسمنة، ومرض السكري من النوع الثاني.
وأظهرت النتائج، المنشورة في دورية Science، أن الجهاز لا يقتصر على تنظيم مستويات السكر، بل قد يؤثر أيضاً في طريقة استهلاك الجسم للطاقة؛ إذ يحفز الانتقال من الاعتماد على الجلوكوز إلى استخدام الدهون، ما يفتح المجال أمام استراتيجية علاجية محتملة للتعامل مع السمنة والسكري معاً.
يأتي هذا التطور في ظل الاهتمام المتزايد بحالة مرضية يطلق عليها الباحثون اسم "Diabesity"، وهو مصطلح يجمع بين السكري والسمنة، ويعكس العلاقة المتبادلة بين المرضين، إذ تسهم الاضطرابات الهرمونية، والالتهابات، واختلال تنظيم الطاقة في تعزيز كل منهما للآخر، بما يزيد أخطار المضاعفات الصحية طويلة الأمد.
جهاز مزروع لعلاج السكر والسمنة
يعتمد الجهاز - الذي أطلق عليه الباحثون اسم إيكو (ECO) - على تقنية التحفيز الكهربائي الكيميائي، التي تستخدم أسطحاً معدنية نشطة لإحداث تفاعلات كيميائية تحول الجلوكوز إلى مركبات أخرى.
ويحتوي الجهاز على محفز مصنوع من الذهب، مع جزيئات من البلاتين، ويعمل على تحويل الجلوكوز الموجود في الدورة الدموية إلى مادة الجلوكونات (Gluconate)، وهي مركب يمكن للجسم التخلص منه عن طريق الكليتين، بما يسمح بخفض مستويات السكر دون الاعتماد على إعطاء الإنسولين من مصدر خارجي.
ويتميز النظام بقدرته على العمل تلقائياً، وفق مستويات السكر في الدم؛ إذ يرتبط بجهاز مراقبة مستمرة للجلوكوز عبر هاتف ذكي، وعندما تتجاوز القراءات حداً معيناً، فإنه يفعّل الجهاز المزروع لاسلكياً لإزالة الجلوكوز الزائد، ثم يتوقف التدخل عند انتفاء الحاجة إليه.
ويختلف هذا النهج عن أنظمة توصيل الإنسولين التقليدية، التي تعتمد على ضخ الهرمون لمساعدة الخلايا على امتصاص الجلوكوز؛ إذ يستهدف الجهاز الجديد السكر نفسه عبر تحويله كيميائياً دون حاجة إلى ضخ أدوية، أو هرمونات داخل الجسم.
ولاختبار فاعلية التقنية، أجرى الباحثون تجارب أولية على فئران مصابة بالسمنة والسكري من النوع الثاني، وأظهرت النتائج أن تشغيل الجهاز باستخدام طاقة كهربائية منخفضة، تبلغ 0.75 فولت وشدة تيار قدرها 10 مللي أمبير، أعاد مستويات السكر في الدم إلى النطاق الطبيعي خلال ساعة واحدة.
وكشفت التجارب عن تغيرات في التمثيل الغذائي؛ إذ بدأ الجسم يعتمد بدرجة أكبر على الدهون بدلاً من الجلوكوز للحصول على الطاقة، وهو تحول قد يساعد على تفسير التأثيرات الإضافية التي رصدها الباحثون على وزن الحيوانات، ومؤشرات الدهون لديها.
وخلال 6 أسابيع من العلاج، أظهرت التجارب تسجيل انخفاض في وزن جسم الفئران، ومستويات الدهون الثلاثية لديها في الدم، بالتزامن مع ارتفاع تركيز الأحماض الدهنية الحرة والأجسام الكيتونية، وهي مركبات ترتبط باستخدام الدهون لإنتاج الطاقة عندما يقل الاعتماد على الجلوكوز.
ولم يرصد الباحثون، خلال التجربة، نوبات قابلة للكشف من انخفاض سكر الدم، أو آثاراً ضارة واضحة على الوظائف الفسيولوجية، أو مؤشرات على حدوث التهابات، أو سلوك الحيوانات، ما يقدم مؤشرات أولية مشجعة بشأن سلامة التقنية في ظروف الاختبار.
لكن الجهاز لا يزال في المرحلة التجريبية؛ إذ اقتصرت الاختبارات على الفئران، ما يستدعي إجراء مزيد من الدراسات لتقييم سلامته وفاعليته على المدى الطويل، ومدى تحمله داخل الجسم، وتأثير نواتج التفاعلات الكيميائية ووظائف الكلى، قبل اختباره على البشر.