شهدت المنطقة العربية نمواً متزايداً في الوعي بتقنيات تجميد البويضات كخيار استباقي للحفاظ على الخصوبة والتخطيط المستقبلي للأسرة. وفي هذا الحوار الطبي المعمق عبر منصة "صحتك"، يستعرض الدكتور بارثا داس، المدير الطبي واستشاري طب الإنجاب في مؤسسة "أوركيد للخصوبة"، كافة الجوانب العلمية، والنصائح الوقائية المتعلقة بالصحة الإنجابية للذكور والإناث على حد سواء.
نعم، تشهد المنطقة العربية، ولا سيما دول الخليج العربي كالإمارات والسعودية وقطر، تحولاً ملموساً وارتفاعاً ملحوظاً في الإقبال على تقنية تجميد البويضات مقارنة بالعقد الماضي. ولم يعد هذا الإجراء مقتصراً على حالات العقم، بل أصبحت النساء يراجعنَ العيادات في مرحلة مبكرة بهدف الاستشارة والتخطيط الوقائي لمستقبلهنّ الإنجابي. وقد ساهمت التعديلات التشريعية والتطور الطبي في تعزيز الوعي المجتمعي وتقبل هذه الخطوة كجزء أساسي من منظومة الرعاية الصحية للمرأة.
يرتبط هذا الإقبال المتزايد بتغير نمط الحياة الحديثة، حيث تركّز المرأة بدرجة أكبر على إكمال تعليمها العالي، وبناء مسيرتها المهنية، وتحقيق الاستقرار المالي قبل التفكير في تكوين الأسرة. أدى ذلك إلى ارتفاع متوسط عمر الزواج وتأخر العمر في الحمل الأول، مما جعل الكثيرات يدركنَ الفجوة الطبيعية بين الطموحات الشخصية والحقائق البيولوجية للخصوبة. كما أدى انتشار فحوصات الخصوبة الروتينية، مثل فحص هرمون مضاد مولر (AMH)، إلى اتخاذ قرارات مبكرة ومدروسة.
يصبح تجميد البويضات أمراً حاسماً عند التشخيص بالإصابة بالسرطان قبل البدء بالعلاجات الكيميائية أو الإشعاعية التي قد تؤثر سلباً على وظائف المبيض، إضافة إلى حالات جراحات المبيض الكبرى. كما يُوصى به طبياً للنساء المصابات ببطانة الرحم الهاجرة المتطورة، أو اللواتي لديهنّ استعداد جيني للإصابة بقصور المبيض المبكر أو لديهنّ تاريخ عائلي لانقطاع الطمث المبكر. ويساعد التدخل المبكر في هذه الحالات على حماية الخلايا الإنجابية قبل حدوث أي تلف دائم.
تظل التكلفة المالية المرتفعة وعدم تغطية التأمين الصحي الشامل لخدمات الخصوبة الاختيارية من أبرز العقبات التي تحول دون استفادة قطاع واسع من النساء من تجميد البويضات. علاوة على ذلك، تلعب الاعتبارات الثقافية والاجتماعية دوراً في تأخير الاستشارة الطبية، حيث يُعتقد خطأً أن زيارة طبيب الخصوبة لا تكون إلا بعد الزواج أو عند المعاناة من تأخر الحمل. كما أن نقص الوعي بالسرعة التي تتراجع بها جودة البويضات مع التقدم في العمر يُشكل تحدياً مستمراً.
لأن تراجع الخصوبة يحدث غالباً بصمت تام وبدون أية أعراض ظاهرة؛ حيث إن انتظام الدورة الشهرية لا يعني بالضرورة جودة البويضات أو كفاية مخزونها. يتيح التقييم المبكر من خلال فحص هرمون (AMH) وفحص البطن بالموجات الصوتية ومعرفة العوامل المؤثرة بدقة ورسم صورة واضحة للنافذة الزمنية المتاحة أمام المرأة. وتكمن أهمية هذه الفحوصات في تمكين المرأة من التخطيط الوقائي واتخاذ القرارات المناسبة في الوقت الذي تكون فيه الخيارات الإنجابية واسعة ومتاحة.
تُعد المرحلة العمرية الممتدة بين 30 و35 عاماً النافذة الذهبية والأنسب بيولوجياً لإجراء تجميد البويضات ؛ نظراً لارتفاع جودة البويضات وسلامتها الكروموسومية واحتفاظ المبيض بمخزون جيد في هذا العمر. وتظل النتائج ممتازة بين سن 35 و37 عاماً، بينما تبدأ كفاءة العملية بالتراجع بعد سن 38 مما يتطلب دورات تنشيط متعددة للحصول على عدد كافٍ. أما بعد سن الأربعين فترتفع نسبة الاضطرابات الكروموسومية، مما يجعل التوعية والتجميد المبكر الخطوة الأهم للنجاح.
يجمع هذا النموذج الحديث بين العلاج الطبي المباشر، والاستشارات النفسية، والإرشاد الغذائي المتخصص لتهيئة بيئة صحية مثالية لنمو الجريبات داخل المبيض. ورغم أن هذا المنهج لا يوقف الشيخوخة البيولوجية، إلا أنه يقلل من الإجهاد التأكسدي والالتهابات المزمنة التي قد تؤثر على صحة الميتوكوندريا في البويضة. كما يوفر الدعم النفسي والسيطرة على التوتر بيئة هرمونية متوازنة؛ مما يرفع من معدلات الالتزام بالعلاج وينعكس إيجابياً على جودة الأجنة واستقرار الحمل.
لا توجد أطعمة سحرية تضمن الحمل، إلا أن اتباع "النظام الغذائي المتوسطي" المعتمِد على الخضار، والأسماك الدهنية، وزيت الزيتون، والبقوليات أثبت كفاءة عالية في دعم الخصوبة. يعمل هذا الأسلوب الغذائي على ضبط مستويات السكر في الدم وتحسين عمل الإنسولين، وهو أمر حيوي خاصة للمصابات بتكيس المبايض. كما يساهم الابتعاد عن الأطعمة المصنعة والتدخين، إلى جانب تناول المكملات والفيتامين D، في حماية خلايا البويضة من التلف التأكسدي.
تساهم العوامل الذكورية في نحو 50% من حالات تأخر الإنجاب، إلا أن تأخر خضوع الرجل للفحوصات الدورية يفرض أعباءً نفسية وجسدية إضافية على الزوجة. تؤثر أمراض العصر كالسمنة، والسكري، وانخفاض هرمون التستوستيرون مباشرة على جودة الحيوانات المنوية وتزيد من تلف مادتها الوراثية. لذلك، فإن إجراء فحوصات السائل المنوي والهرمونات مبكراً للرجل، إلى جانب متابعة صحة البروستاتا، يضمن تشخيصاً دقيقاً ومزدوجاً يختصر وقت العلاج ويحمي صحة الأسرة.
الهدف الأساسي من تجميد البويضات والوعي بالخصوبة ليس إجبار الجميع على خوض الإجراءات الطبية، بل تمكين الأفراد من فهم أجسادهم والتخطيط الواعي لمستقبلهم. فالوقت هو العامل الأهم في طب الإنجاب، والتوعية المبكرة هي الركيزة الحقيقية للطب الوقائي الحديث. إن الاستثمار في التثقيف الصحي وتوفير الرعاية المتكاملة للزوجين يضمن الحفاظ على خيارات إنجابية واسعة وتحقيق أهداف الأسرة وصحتها الشاملة بأعلى معدلات الأمان والنجاح.