قد يكون مشهد تحديق الطفل في الفراغ وتوقفه فجأة عن الحركة أمراً يبعث على القلق، وهناك ثلاثة تفسيرات رئيسية لهذه الحالة وهي: الانغماس العادي في التفكير، أو الانتباه الشديد، أو التركيز المكثَّف المرتبط بالتوحد، وأخيراً وهو الأقل شيوعاً نوبات الصرع الغيابي، ونظراً لأن بعض هذه الحالات تتطلب تدخلاً طبياً فيجب وصف هذه النوبات لطبيب الأطفال في أقرب وقت ممكن.
عندما يمعن الطفل النظر في الفراغ ينتاب الأهل شعوراً بالقلق وأحياناً الانزعاج بسبب تجاهل الطفل لهم أو عدم الامتثال لتوجيهاتهم ويتساءلونَ لماذا يفعل ذلك وهل يعاني من مشكلة ما؟ من أسباب تحديق الطفل في الفراغ ما يلي:
في هذه المرحلة العمرية قد يكون تحديق الطفل في الفراغ أمراً طبيعياً تماماً، فهو يتيح للرضيع أو الطفل الصغير فرصة للانسحاب للحظات من صخب المحيط وضجيجه، لذا إذا أدار الطفل الصغير وجهه بعيداً عنك أثناء اللعب فقاوِم الرغبة في ملاحقته أو محاولة لفت انتباهه بالقوة، وامنحه الوقت الذي يحتاجه لاستعادة توازنه وهدوئه.
الأطفال في سن المدرسة غالباً ما يحتاجون إلى لحظة فاصلة، فقد أظهَرت دراسة أن الأطفال الذين يوجّهون أنظارهم بعيداً عن المعلم غالباً ما يحقّقون أداءً أفضل، إذ يميل الأطفال إلى صرف أنظارهم بعيداً عندما تكون المهمة صعبة، وذلك في محاولة لتنظيم أفكارهم والتركيز فيها.
في حين أن الأطفال الذين تظل أنظارهم مثبتة على المعلم قد يَعتمدون أحياناً بشكل مفرط على الإشارات البصرية، مما قد يصعب عليهم معالجة المعلومات أو إنجاز المهام المطلوبة.
وهذا لا يعني بالطبع خلوّ الصفوف من الأطفال الذين يميلون لأحلام اليقظة، ولكن إذا أبدى معلم طفلك قلقاً حقيقياً بهذا الشأن، فلا تتجاهل الأمر أو ترفض وجهة نظره مستنداً فقط إلى نتائج هذه الدراسة.
يعد تحديق الطفل في الفراغ أو الظهور منعزلاً في عالم خاصٍ إحدى العلامات العديدة للتوحد، وعادة ما يتم تشخيص التوحد بعد سن الثانية، ولكن إذا كانت لديكَ مخاوف بشأن طفل أصغر سناً يتجنب التواصل البصري فعليك استشارة الطبيب.
معظم الرضع والأطفال الصغار ينظرون بتركيز إلى وجوه الآخرين لتعلّم الإشارات الاجتماعية، ويتفاعلونَ مع الأشخاص بناء على تعبيرات وجوههم، ويجب العلم أن هناك أعراض عديدة للتوحد فلا داعي للمبالغة في القلق إذا ظهَرت على طفلك واحدة منها فقط، ومع ذلك، لا ينبغي تفويت فرصة التشخيص المبكر، وما يترتب عليه من تدخل مبكر.
تبدأ نوبات الصرع المصحوبة بالغياب عادة في المرحلة العمرية ما بين 4 و 14 عاماً، وتختفي لدى معظم المصابين بحلول سن الثامنة عشر، وهناك فروق واضحة بين أحلام اليقظة وهذه النوبات، إذ يمكن أن تحدث هذه النوبات في أي وقت حتى أثناء ممارسة النشاط البدني، ولا يستجيب حينها الطفل عند مناداته، كما أنه لا يستطيع الخروج من هذه الحالة بمجرد محاولة التوقف عنها، أو عند تنبيهه، ويمكن أن تتكرر هذه النوبات مرات عديدة على مدار اليوم، وعادة ما تستمر كل نوبة لمدة 20 ثانية تقريباً.
العديد من الأطفال المصابين بهذا الاضطراب قد يجلسون بهدوء شاردين بأذهانهم، ومثل حالة التوحد لا يكفي هذا العرَض وحده للتشخيص، ولكن إذا ساورك القلق فتحدث إلى الطبيب. يجب أن تتجمع عدة أعراض تدل على الإصابة باضطراب فرط الحركة لتشخيصه، فالتحديق في الفراغ وحده مع غياب الأعراض الأخرى ليست عرَضاً حاسماً.
قد يشكل التحديق مشكلة إذا كان من الصعب جداً صرف انتباه الطفل، ففي بعض الأحيان يكون الأمر محيّراً لأن الطفل قد يكون مستغرقاً تماماً فيما ينظر إليه، ولكن القلق ينشأ عندما يستحيل جعله يلتفت بعيداً حتى عند عَرض شيءٍ أكثر إثارة لاهتمامه، فيمكن استشارة الطبيب إذا كانت لديك مخاوف لاسيما إذا كان عمر طفلك يتجاوز أربعة أشهر وتظهَر عليه علامات أخرى تثير قلقك.
إذا لاحظتَ أن طفلك يحدّق في الفراغ لثوانٍ قليلة فقد يكون ذلك مجرد شرود طبيعي خاصة عندما يكون متعَباً أو منشغلاً بالتفكير، لكن إذا تكرر الأمر كثيراً أو كان الطفل لا يستجيب عند مناداته أو إذا ترافق التحديق مع رَمش سريع أو حركات بالفم أو ارتعاش فمن الأفضل استشارة طبيب الأطفال فقد تكون هذه النوبات أحياناً علامة على نوبات غياب أو مشكلة عصبية تحتاج إلى تقييم.