ثَمّة فنانون لا تقف حكايتهم عند حدود الصوت الجميل أو اللحن العذب، بل تمتد لتصبح جزءًا من ذاكرة الأوطان ووجدان شعوبها. أولئك الذين يدركون أن الفن ليس ترفًا عابرًا، بل لغةٌ تحفظ ملامح الإنسان، وتختزن تحولات المجتمع، وتنقل من جيلٍ إلى آخر شيئًا من روح المكان. وفى هذا الأفق تتجلّى تجربة محمد مرشد ناجى، المعروف بالمرشدى، أحد أبرز أعلام الأغنية اليمنية، الذى جمع بين موهبة المطرب وبراعة الملحن وشغف الباحث، فغدا اسمه علامةً بارزة فى مسيرة الموسيقى اليمنية الحديثة.وُلد «المرشدى» فى مدينة الشيخ عثمان بمحافظة عدن، ونشأ فى بيئةٍ متنوعة الثقافات، كانت الموسيقى فيها إحدى وسائل التعبير عن الحياة اليومية ومشاعر الناس. ومنذ بداياته، ارتبط وجدانه بالغناء، متأثرًا بمحيطه العائلى والاجتماعى، قبل أن تتحول هذه الصلة المبكرة إلى مشروعٍ فنى اتسعت آفاقه مع مرور الزمن.لم يكن صوته مجرد أداةٍ للطرب، بل امتلك خصوصيةً فى الأداء مكّنته من الاقتراب من وجدان المستمع، والتعبير عن مشاعر الحب والحنين والشوق، كما أتاح له أن يحمل الأغنية الوطنية إلى مساحةٍ أوسع من التأثير. وحين ارتبط اسمه بلقب «فنان الشعب»، بدت هذه التسمية منسجمةً مع طبيعة تجربته التى جمعت بين التعبير عن الإنسان البسيط والاهتمام بقضايا المجتمع والوطن.بدأت ملامح مسيرته الغنائية تتضح مع أغنيته «وقفة»، من كلمات الشاعر محمد سعيد جرادة، لتتوالى بعدها محطات أسهمت فى ترسيخ حضوره فى المشهد الفنى اليمنى. ومع انتشار أعماله، أخذ صوته يتجاوز حدود عدن، حاملًا معه خصوصية البيئة التى نشأ فيها، ومنفتحًا فى الوقت نفسه على آفاقٍ عربية أرحب.تكمن أهمية المرشدى فى قدرته على التعامل مع التراث الغنائى اليمنى بوصفه ثروةً حيّة، لا مادةً جامدة تُستعاد من الماضى. فقد أدرك أن لكل لونٍ غنائى شخصيته وإيقاعه وملامحه التعبيرية، وأن تطويره لا يعنى محو خصوصيته، بل فهم أصوله وإعادة تقديمه بما يحفظ روحه ويمنحه قدرةً على الاستمرار.ومن خلال أدائه ألوانًا متعددة من الغناء اليمنى، من العدنى واللحجى إلى الصنعانى والحضرمى وغيرها، أسهم فى إبراز تنوع الموسيقى اليمنية وثراء روافدها. ولم يكن هذا التنوع مجرد استعراضٍ لقدراته الصوتية، بل دليلًا على اهتمامه بالموروث الوطنى فى تعدد مدارسه وأساليبه.لقد تعامل «المرشدى» مع اللحن باعتباره بناءً فنيًا يحتاج إلى حساسيةٍ فى اختيار الجملة الموسيقية، وإلى معرفةٍ بطبيعة الكلمة والإيقاع والبيئة التى نشأ فيها العمل. ولذلك لم يكن التجديد فى تجربته قطيعةً مع الماضى، بل حوارًا معه؛ يأخذ من الأصالة جذورها، ويمنحها من خبرته ما يساعدها على الوصول إلى أجيالٍ جديدة.وفى هذا السياق، اكتسبت الأغنية عنده أبعادًا تتجاوز حدود العاطفة الفردية. فالحب والحنين والشجن لم تكن مشاعر معزولة عن الحياة، بل وجوهًا من التجربة الإنسانية التى تتقاطع فيها أحلام الناس مع آمالهم ومخاوفهم وتطلعاتهم. وحين التقت هذه المشاعر بالأغنية الوطنية، أصبح الفن مساحةً للتعبير عن الانتماء، ووسيلةً للمشاركة فى الوجدان العام.لم يكتفِ محمد مرشد ناجى بأن يكون مطربًا وملحنًا، بل أدرك أن التراث الموسيقى يحتاج إلى من يدرسه ويوثّقه، حتى لا تبقى حكاياته وأعماله رهينة الذاكرة الشفوية أو معرّضةً للضياع. ومن هنا اتجه إلى البحث والتأليف، جامعًا بين خبرة الممارس وفضول الباحث، وبين الحسّ الفنى والوعى بقيمة التاريخ.وقد ترك عددًا من المؤلفات التى تناولت الأغنية اليمنية وتاريخها ورموزها، من بينها «أغانينا الشعبية» و«الغناء اليمنى ومشاهيره» و«صفحات من الذكريات» و«أغنيات وحكايات». وتكشف هذه الأعمال عن اهتمامٍ يتجاوز توثيق الألحان إلى استعادة السياقات التى نشأت فيها، والتعريف بمن أسهموا فى تشكيل ملامح الحياة الموسيقية اليمنية.وتكمن قيمة هذا الجانب فى أن الأغنية الشعبية ليست مجرد كلماتٍ وألحان، بل سجل ثقافى يحمل آثار البيئة وعادات المجتمع وطرائق تعبيره عن أفراحه وأحزانه. ومن ثمّ، فإن توثيقها هو حفظٌ لجزءٍ من تاريخ الناس أنفسهم، وصونٌ لذاكرةٍ قد لا تجد طريقها إلى الأجيال المقبلة ما لم يتصد لها الباحثون وأصحاب الخبرة.وهنا تتكامل شخصية «المرشدى»؛ فالفنان الذى حمل التراث بصوته هو نفسه الباحث الذى سعى إلى حفظه بالقلم. وبين هذين الدورين تتجلّى رؤيته للفن بوصفه إبداعًا ومسئوليةً ثقافية فى آنٍ واحد.امتد حضور «المرشدى» إلى الحياة الثقافية والعامة، فتولّى مسئولياتٍ فى المجال الفنى، من بينها رئاسة اتحاد الفنانين اليمنيين، كما شارك فى الحياة البرلمانية. وقد عكست هذه الأدوار اتساع اهتماماته، وارتباط تجربته الفنية بالشأن الوطنى والثقافى.غاب محمد مرشد ناجى عن الحياة، لكن غيابه لم يطوِ صفحةً من صفحات الأغنية اليمنية؛ فما تركه من أعمالٍ فنية ومؤلفاتٍ توثيقية ظل شاهدًا على مسيرةٍ جمعت بين الإبداع والبحث والوفاء للتراث.إن قيمة «المرشدى» لا تكمن فى عدد الأغانى التى أدّاها أو الألحان التى وضعها فحسب، بل فى الطريقة التى فهم بها علاقته بفنه وبيئته. فقد حمل الأغنية اليمنية إلى فضاءاتٍ أرحب، من دون أن يتخلّى عن جذورها، وتعامل مع التراث باعتباره أمانةً تستحق الحفظ والتجديد، لا مجرد ذكرى تستدعى الحنين.وهكذا يبقى محمد مرشد ناجى واحدًا من أولئك الفنانين الذين تجاوزت أصواتهم حدود الحناجر، لتستقر فى ذاكرة الأوطان. ترك للأجيال ألحانًا تستعيد روح المكان، وكتبًا تحفظ شيئًا من تاريخه، وتجربةً تؤكد أن الفن الأصيل لا يعيش بقوة الماضى وحده، بل بقدرته على أن يظل قريبًا من الإنسان، صادقًا مع هويته، ومنفتحًا على المستقبل.
عاجل ثقافة وفنون
محمد مرشد ناجي… حين غنّى التراث بلسان الوطن
الأخبار العاجلة تصلك أولاً على تلغرام
انضم لقناتنا لتتابع أهم الأخبار فور وقوعها، بدون تعقيد.
التغطية الأصلية الكاملة لدى dostor.org - rss
زيارة المصدر