لا تكتمل تجربة زيارة معرض الفرس للجديدة، في دورته السابعة عشرة، بالنسبة إلى كثيرين من الزوار الذين التقتهم هسبريس، بدون جولة في ركن “جهات المغرب”؛ ففي أروقته الاثني عشر “فرصة نادرة” لاستكشاف خصوصية كل تجربة مجالية في “التبوريدة”، تنطق بها نماذج معروضة من تجهيزات الفرس وعُدّة الفرسان في كل جهة.
ويجذب الزائرين والزائرات إلى هذا الركن أن هذه المعروضات توفر “أشرطة تاريخية” دالة على عراقة “التبوريدة” في أكثر من منطقة مغربية، لا سيما أنها تضم سروجا وبنادق تقليدية و”ركابيات” قديمة، يتعدى عمر بعضها قرنين.
تجارب تتفرّد
استهلت هسبريس جولتها في هذا الركن بزيارة رواق جهة الشرق، الذي يتوسطه سرج تقليدي قديم مطرّز بلون ذهبي، لم تفقده السنوات قوته وتماسكه. وإلى جواره دمية عرض عليها الزي التقليدي لفرسان “التبوريدة” بشرق المملكة، والمتفرّد باستعمال “الترّازة”.
وشرح قدور عثماني، من سربة شباب هوارة أولاد رحو، إقليم جرسيف بجهة الشرق، تميز زي “لعب التبوريدة” في شرق المغرب عن باقي المناطق “بالجلابة والسلهام، بالإضافة إلى تغطية الرأس بعمامة أو ‘الشاش’ أو ‘الحواق'”، إلى جانب “الترازة التي نقوم بإنزالها خلف الرقبة أثناء الوجود في ‘المحرك'” (الحلبة).
وبخصوص طريقة “اللعب”، فأوضح المتحدث لهسبريس من داخل الرواق أن “الجهة الشرقية تعتمد ‘الطريقة الرحالية الكتافية’، التي تتضمن مراحل متفرّدة؛ تشمل في البداية إمساك الفرسان ‘المكحلة’ باليد اليمنى، ثم نقلها إلى اليد اليسرى، وصولا إلى قيامهم بسحب الخرطوشة باليد اليمنى، فتثبيت البندقية عند الكتف ليُطلقوا بعد ذلك البارود صوب الأمام”.
تراث ينبعث
في رواق جهة كلميم- واد نون، تعرض أيضا أزياء التبوريدة في هذه الجهة، وبالإضافة إلى سرج تقليدي جلدي بالكامل وبندقية وخنجر “تقليديين”، يحظى هو الآخر بإقبال لافت من قبل الزائرين والزائرات، للاطلاع على خصوصيات تجربة “فلكلورية” مجالية كانت على “شفا الانقراض” خلال أواسط القرن الماضي، حسب لحسن الحداد، صانع تقليدي التقته الجريدة بالرواق.
وأضاف الصانع التقليدي، الذي يمتهن حدادة وتصفيح الخيول منذ نحو 30 سنة، في تصريح لهسبريس، أن “العناية بالخيل في المنطقة عادت مجددا ابتداء من تسعينيات القرن المنصرم، بفضل تشجيع الدولة للفرس”؛ ما أنهى “خطر انقراض فن ‘التبوريدة’ وحرفة تصفيح الخيول المرتبطة بها”.
وعلى الرغم من “خُفوت اهتمام المنطقة بهذا الفن لعقود”، وفق المتحدث لهسبريس من داخل رواق جهة كلميم- واد نون، فإن “عودته صَاحَبَها التشبث بالزي التقليدي الأصيل لـ’اللعب’، الذي يتكون من ‘السلهام’ و’الضراعة’ والقميص، فضلا عن ‘الكمية’ وهي الخنجر”، إلى جانب “المكحلة”.
وعن طريقة “اللعب” في مناطق الصحراء المغربية، قال الصانع التقليدي نفسه، بنبرة فخر، إن “الفرسان في هذه المناطق يفضّلون في الأغلب ركوب الفرس الأنثى، فكما يقول الأجداد ‘ركوبها عز، ونزولها طاعة’، بمعنى أن على ظهرها عزا وفي بطنها كنزا، لكونها تحافظ على السلالة من الانقراض”.
وسبب آخر لتفضيل الصحراويين، تاريخيا، ممارسة “التبوريدة” بواسطة فرس أنثى يتمثل، بحسب الحداد، في أنها “كانت تؤمن، قديما، السفر ليلا دون أن تصدر صوتا أو ضجيجا، بخلاف الذكر الذي يمر بقرب إحدى القرى، فيصدر صهيلا قد يجر مباغتة العدو”.
وتتميز الطريقة الصحراوية في “التبوريدة” بتوجيه فوهات البنادق وإطلاق النار صوب الأرض، في دلالة تراثية عن أساليب الهجوم أو استهداف الأعداء في فترات تاريخية سابقة.
ثقافات تتكامل
زارت هسبريس أيضا رواق جهة درعة- تافيلالت، الذي يستقبل الزائرين بنماذج من تجهيزات الفرس وزي فرسان “التبوريدة” بالجهة، والمعبرة عن تكامل أقاليمها وثقافاتها العديدة.
وفي هذا الصدد، يعرض الرواق سرجا تقليديا ينطق بإبداع نساء جبال الأطلس المتوسط، إذ يكتسي الجلد فيه بصوف منسوج كثيف ويتزين بزخارف أمازيغية، فضلا عن أهداب وشراشيب من خيوط الصوف المظفّرة.
وبالإضافة إلى جلباب تقليدي وعمامة وحزام حيك بمدينة الريش، يبرز الرواق أيضا بصمة الصناع التقليديين بمنطقة الريصاني في عُدّة الفرسان لهذه الرياضة، من خلال عرض إقراب قديم وبندقية من نوع بوشفر صنعتا في المنطقة.
وتتميز الجهة باعتماد الطريقة الزيانية في “التبوريدة”. وتعتمد طريقتين في إطلاق البارود؛ إما التصويب إلى الأعلى، أو فوق رأس الخيل، وتحديدا بين أذنيه، في لقطة تتطلب قدرا عاليا من الدقة والتناغم بين الفارس والفرس.
موروث غني
لاحظ فريد يوسف، وهو زائر التقت هسبريس به بفضاء “جهات المغرب”، بعد قيامه بجولة في أروقته، أن “أزياء الفارس، كما تجهيزات الفرس، في فن ‘التبوريدة’، تختلف من منطقة مغربية إلى أخرى”، مؤكدا أن ذلك “يعبر عن غنى الموروث الثقافي المغربي في مجال تربية الفرس”.
وسجل المتحدث نفسه أن “ما يميز معرض الفرس للجديدة هو ذلك الزخم من المؤهلات التراثية والسياحية والاقتصادية التي تتأكد خلال جولتنا في المعرض”.
بدوره، شاهد مصطفى التقي، الذي تحدث إلينا أيضا من داخل ركن “جهات المغرب”، أن “لكل جهة سروجا وأزياء خاصة للمقدمية والفرسان، تستخدم في ‘التبوريدة'”، معتبرا أن “هذا دليل على الاختلاف الجميل”.
The post معرض الفرس يستعرض عراقة "التبوريدة" appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.