<p>أعادت رئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، خلال تقديم البرنامج الحكومي زوال أمس الاثنين، النقاش حول سبل الحد من غلاء المواد الغذائية، من خلال الإعلان عن توجه يروم تقريب المنتج من المستهلك عبر شركات جهوية ومنصات مهنية للتجميع والتسويق، وفق دفتر تحملات موحد.</p>
<p> ويأتي هذا المقترح في سياق تتزايد فيه تساؤلات المواطنين والمهنيين بشأن الفجوة الكبيرة بين أسعار عدد من المنتجات عند المصدر والأثمان التي تصل بها إلى الأسواق، وسط انتظارات بأن تساهم هذه الخطوة في الحد من دور الوسطاء والمضاربين والسماسرة، المعروفين شعبيا بـ«"الفراقشية"، وإعادة التوازن إلى سلاسل التسويق بما يحمي القدرة الشرائية للأسر.</p>
<p>وتكشف اختلالات تسويق عدد من المنتجات الفلاحية عن مفارقة تستحق المعالجة، إذ يجد المنتجون أنفسهم أحيانا مضطرين إلى البيع بأثمان منخفضة خلال فترات وفرة العرض، بسبب محدودية إمكانيات التخزين والتبريد والنقل وصعوبة الوصول المباشر إلى الأسواق، في حين لا ينعكس هذا الانخفاض بالضرورة على الأسعار النهائية. وفي هذا الصدد، يرى مهنيون أن ضعف الإمكانيات اللوجستيكية لدى صغار المنتجين يمنح بعض الوسطاء والمضاربين والسماسرة هامشا أوسع للتفاوض وإعادة البيع، بما قد يساهم في اتساع الفجوة بين ما يحصل عليه الفلاح وما يدفعه المستهلك.</p>
<p>ويراهن المقترح الحكومي على إحداث قنوات أكثر تنظيما لتجميع المنتجات وتسويقها، بما قد يساعد على تقليص بعض حلقات الوساطة، وتحسين شروط النقل والتخزين، وتعزيز قدرة المنتجين، خصوصا صغار الفلاحين، على التفاوض وتصريف محاصيلهم. غير أن تحقيق هذه الأهداف يظل رهينا بكيفية تنزيل المشروع، وطبيعة حكامة الشركات والمنصات، وكلفة الخدمات التي ستقدمها، ومدى ضمان استفادة مختلف المنتجين والتعاونيات منها. فالتحدي لا يكمن فقط في إنشاء بنية جديدة للتسويق، بل في توفير بديل فعلي يقلص هامش تحكم المضاربين والسماسرة في مسار المنتوج، دون أن تتحول المنصات الجديدة نفسها إلى حلقات إضافية ترفع التكاليف بدل خفضها.</p>
<p>وفي المقابل، يعبر مواطنون عن تخوفهم من أن تظل المبادرات الرامية إلى تنظيم التسويق محدودة الأثر على الأسعار التي يؤدونها يوميا، إذا لم تنعكس الوفورات المحققة في النقل والتخزين وتقليص حلقات الوساطة على البيع بالتقسيط. فالمشكل، من وجهة نظر المستهلك، لا يرتبط فقط بارتفاع الأسعار عند المصدر، بل أيضا باستمرار الفجوة بين ما يحصل عليه الفلاح وما يدفعه المواطن. ومن هنا، تبرز أهمية تعزيز شفافية المعاملات ومراقبة الممارسات المنافية للمنافسة، والتصدي للمضاربات غير المشروعة، مع توفير معطيات واضحة حول تطور الأسعار بين المصدر وأسواق الجملة والتقسيط، بما يسمح بتحديد مكامن الاختلال بدل اختزال أسباب الغلاء في جميع الوسطاء.</p>
<p>وبين الرهان الحكومي على إعادة تنظيم التسويق وانتظارات المواطنين والمهنيين، يبقى نجاح هذا التوجه مرتبطا بمدى قدرته على إحداث تغيير ملموس في واقع السوق، من خلال تقليص تكاليف التوزيع، وتحسين مداخيل المنتجين، وضمان منافسة أكثر شفافية، والحد من الممارسات التي تمنح "الفراقشية" فرصة الاستفادة من اختلالات السوق على حساب المنتج والمستهلك. فالمطلوب ليس فقط تقريب المنتج من المستهلك على المستوى اللوجستيكي، بل ضمان انعكاس ذلك على الأسعار النهائية، حتى لا يظل الفلاح يبيع بأثمان منخفضة والمواطن يشتري بأسعار مرتفعة.</p>