بعد قرون من بقائه حبيس الخزائن، يعود إلى القراء شرح مغربي لمقامات الحريري، هو كتاب "اقتراح سميري في شرح مقامات الحريري " للفقيه أبي عبد الله محمد بن منصور بن منير بن حمامة السجلماسي، بتحقيق ودراسة الدكتور بسام بن مصباح الأغبر، وقد صدر في مجلدين يقاربان 1600 صفحة عن دار نقطة في بيروت.
والمقامات خمسون قصة قصيرة وضعها القاسم بن علي الحريري، ابن مدينة البصرة بالعراق، لغاية تعليمية هي تبسيط العربية لمن دخل في الإسلام حديثا. تدور أحداثها بين راوٍ وبطل، وتقوم على الكدية (أي استجداء الناس بالحيلة)، وتستعين بالشعر والأمثال، وتعتمد السجع والجناس والتورية، وهي أساليب بلاغية كانت تعسر على الطلبة. فلما بلغت المغرب طلبوا من ابن حمامة شرحها.
والأغبر من مدينة نابلس، حاصل على البكالوريوس من جامعة القدس المفتوحة عام 2007، والماجستير من جامعة النجاح الوطنية عام 2014 برسالة عن «الفونيم» (الوحدة الصوتية التي يتغير المعنى بتغيرها) في سورة البقرة، والدكتوراه في العلوم اللغوية من جامعة العلوم الإسلامية الماليزية. ويعمل مدرسا في المرحلة الثانوية بوزارة التربية والتعليم الفلسطينية، وله 10 كتب مطبوعة ونحو 25 بحثا محكما. وفي هذا الحوار مع الجزيرة نت يروي رحلة هذا النص من الخزانة إلى المطبعة.
تحقيق المخطوط هو إخراج كتاب كُتب بخط اليد قبل قرون إلى صورة مقروءة بلغة الحاسوب الحديثة، بكلمات واضحة وخالية من الأخطاء الإملائية، مع تخريج ما فيه من آيات وأشعار وأحاديث وأمثال، أي عزوها إلى مصادرها وتوضيحها في الحواشي. وتخصصي الأصلي علم الأصوات، لكن شغفي بالتراث قديم، وتدربت على التحقيق في ورش عدة بماليزيا على يد المحاضر العراقي الدكتور نجم خلف.
كنت أعلم بوجود هذا الشرح وأبحث عنه، فيسّره لي أحد الأصدقاء. ولم يصلنا منه سوى نسختين، إحداهما في خزانة الرباط بالمغرب والأخرى في خزانة الإسكوريال بإسبانيا، ولا توجد نسخة ثالثة. وهما مكتوبتان بالخط المغربي القديم الذي يصعب على أهل المشرق، فنقطة الفاء مثلا توضع تحتها لا فوقها، وهذا يتطلب مهارة عالية في القراءة.
ويُقرأ النص من صور المخطوط سطرا سطرا، ثم تُعاد قراءته مرارا، فقد قرأته 10 إلى 15 مرة قبل صدوره، وربما استغرقت الصفحة الواحدة 3 أسابيع. والمحقق لا يحذف من النص حرفا، بل يثبته كما كتبه صاحبه ويعلّق في الحواشي: هل الحديث صحيح أم ضعيف، ومتى وقعت الحادثة التاريخية، وهل الآية على قراءة حفص عن عاصم المتداولة اليوم أم على قراءة أخرى.
تذكر كتب التراجم أن لابن حمامة مؤلفات كثيرة ضاع أغلبها، وتذكر أنه شرح المقامات، لكن شرحه لم يخرج إلى النور إلا الآن. وهذا يطرح سؤالا: هل خرج كل تراثنا العربي أم ما زال كثير منه حبيس الخزائن؟ وعلى الصعيد العملي كان الخط المغربي القديم عائقا أمام قراءته.
أما العنوان فليس من وضعي، بل سمّاه به صاحبه. فقد جاءه طلبته وطلبوا منه شرح الكتاب، والسمير هو من يسامرني في الليل، أي أن الشرح جاء تلبية لاقتراح جلسائه. وكل ما في المخطوط حق لمؤلفه، ودور المحقق أن يخرجه بصورة معاصرة.
انتشرت المقامات في زمن الحريري وصارت تُقرأ في مجالس الطلبة في المساجد، وكانت تحتاج إلى توضيح لما فيها من تمويه لغوي. ولما وصلت المغرب العربي، الممتد من تونس إلى موريتانيا، وجد الطلبة فيها صعوبة فطلبوا من ابن حمامة أن يبيّن لهم مقصودها، فكان أول من شرحها هناك.
ومن الشواهد الزمنية أن شرح الشريشي، وهو أوسع الشروح انتشارا اليوم، ظهر بعد ابن حمامة؛ فقد توفي ابن حمامة في الزمن الذي وُلد فيه الشريشي، أي أنه شرح المقامات قبل أن يولد الشريشي.
تختلف عناوين مقامات كثيرة عند ابن حمامة عما هو مطبوع اليوم. فالمقامة الثانية عشرة تُعرف في المطبوع بالدمشقية وعنده الغوطية، والمقامة الثامنة عشرة تُعرف بالسنجارية وعنده الشامية. وهذا يدل على أن للمقامات أكثر من رواية، ويدعونا إلى إعادة قراءتها.
وكان إذا عالج مفردة ذكر لهجاتها ورجع إلى المعاجم، حرصا على الضبط الدقيق، لأنه يشرح لتلاميذه. كما نقل نصوصا من مؤلفات حُققت في عصرنا فلم نجدها فيها، ومنها ما اقتبسه من كتاب «لحن العامة» للزبيدي، إذ لم نعثر على تلك الأسطر في الكتاب المطبوع المتداول. وبذلك يسد هذا الشرح ثغرة في تراثنا المطبوع.
كان يحيلنا إلى كتب وآراء من المغرب العربي والأندلس لم تصلنا مخطوطاتها، وهذه من أصعب ما واجهني، فكيف نتثبت مما لا نملك أصله؟ اضطررت إلى الرجوع إلى أمهات الكتب والمصادر الأدبية، وبلغت المصادر التي عدت إليها 630 مصدرا، وتقع قائمتها في نحو 50 صفحة، وتتبعها فهارس للآيات والقراءات والأحاديث والأمثال والأعلام والأماكن والأشعار.
وتبين لي أنه كان يجاري الحريري، فيعارض أبياته بقصائد من نظمه وجمله البلاغية بمثلها، كأنه يقول إنه بليغ مثله. وهو فقيه مالكي ضمّن شرحه آراء فقهية رجعت فيها إلى أصول الفقه المالكي، فنحن أمام شارح متمكن من الأدب والفقه واللغة.
وجدت أن الشريشي أخذ كثيرا من شرح ابن حمامة وضمّنه كتابه دون أن يشير إليه. ولا أتهمه بترك المنهج العلمي، فهؤلاء علماء كبار نشكر لهم جهدهم، لكن التحقيق يُظهر أن الأدباء نقلوا كثيرا عن ابن حمامة دون عزو. وهذا مجال مفتوح لطلبة الدراسات العليا لعقد مقارنة بين شرحه وشروح غيره، من حيث الزمن وطريقة العرض.
يشيع بين طلبة العلم أنه لم يعد في المخطوطات العربية ما يُحقق، وهذا العمل يدل على أن خزائننا ما زالت فيها كنوز. وفي زمن ابتعد فيه القارئ عن الكتاب العربي لا يعني ذلك أن نترك التحقيق، بل أن نطوّع التقنية لخدمة التراث. وقد يأتي من يحوّل هذا الشرح أو غيره إلى مادة مسموعة أو مرئية على وسائل التواصل، فهناك إقبال كبير على قنوات تعرض التراث بأسلوب سهل.
وهذه أمانة على حملة الشهادات، ونحن كالمزارع يلقي البذور وقد يقطف ثمرها غيره بعد سنوات. وهذا ليس عملي الأول، فمن أعمالي المحققة "الدر المنتخب من أمثال العرب " و "أطباق الأطباق " لمفتي الدولة العثمانية في زمنه و "تفسير ابن سيده اللغوي "، وأعمل على مخطوط في المدائح النبوية سيصدر قريبا بإذن الله.