من تندوف، في أقصى جنوب غرب الجزائر، انطلقت دار "أشنكض" للنشر والتوزيع برهان على أن الصحراء ليست موضوعا يكتبه الآخرون فقط، بل مساحة تنتج كتابا وناشرين وقراء. وقد حضرت الدار في معرض الجزائر الدولي للكتاب بجناح يعبّر عن توجهها نحو أدب الصحراء والثقافة الأفريقية.
وأسس الدار الكاتب الجزائري علي ميموني، الذي سبق له إصدار أعمال سردية تستلهم الصحراء وذاكرتها ومناخاتها. ويقول إنه أراد أن يمنح كتابة الجنوب مساحة أوسع داخل المشهد الأدبي الوطني.
يقيم ميموني في تندوف، التي تبعد نحو 1820 كيلومترا جنوب الجزائر العاصمة. ويقول إن هذه المسافة تجعل حضور المدينة في الفعاليات الثقافية الوطنية أكثر صعوبة، لكنها لم تمنعه من إطلاق مشروع نشر يستهدف كتّاب الصحراء والجوار الأفريقي.
واختار اسم "أشنكض"، الذي يعني "الغزال" باللغة الأمازيغية الطارقية، ليرمز به إلى الرشاقة والانتباه والقدرة على اختيار المواقع، وهي الصفات التي يربطها بمشروعه الناشئ.
ويقول ميموني، في حديثه للجزيرة نت، إن فكرة الدار لم تكن مجرد رغبة في النشر، بل ردا على ما يراه اختلالا في التعامل الثقافي مع الصحراء: "لقد أزعجني مجيء كتاب من الشمال، جزائريين كانوا أم غربيين، ليقيموا مؤقتا في الصحراء، ويعودوا بكتابات عنها لا تقبض على جوهرها وعمقها ونبضها ومخيالها، لكنها تحظى بالنشر والضوء والاهتمام، في مقابل عزلة وإهمال مرّين يعانيها كتّاب وُلدوا في الصحراء ويقيمون فيها".
تسعى الدار إلى أن تكون منصة لكتاب من الجنوب الجزائري ومن دول الجوار الأفريقي. ومن بين الأسماء التي ارتبطت بنشاطها أو حضرت في فعالياتها الكاتبة الكاميرونية ماري جولي نجتسي، والكاتبة التونسية فتحية دبش الحائزة جائزة كتارا للرواية العربية عام 2020، والكاتب الجزائري عبد الوهاب عيساوي الحائز جائزة البوكر العربية للرواية في العام نفسه.
كما شملت التجربة أسماء من النيجر والصحراء الجزائرية، بينهم بابا أحمد الكنتي، وأبا إبراهيم بن علي الذي يكتب بالتيفيناغ، ومولود فرتوني الذي اتخذ من الثقافة الطارقية حقلاً لمشروعه الأدبي.
ويرى الكاتب والناشط الثقافي محفوظ كويدسي، الذي نشر كتابه الأول "إلى متى؟" عن الدار، أن ظهور "أشنكض" يعكس تحولا في حضور الجنوب الثقافي. ويقول إن الصحراء ظلت لفترة طويلة مرتبطة بالنظرة الفلكلورية والسياحية، قبل أن تبدأ في إبراز مبدعيها في الأدب والفنون.
ويضيف كويدسي أن ظهور مهرجانات مثل المهرجان الدولي لمسرح الصحراء في أدرار، والمهرجان الدولي للفيلم القصير في تيميمون، ساعد على خلق مساحات جديدة للإنتاج الثقافي في الجنوب.
ظهر توجه الدار في مشاركتها بمعرض الجزائر الدولي للكتاب من خلال تصميم جناحها، وأجوائه، وملابس فريقها.
ويقول الكاتب أمين ناجي بن باطة، عن الدار، إن الحضور أفاد في إبراز بعد أفريقي غائب عن كثير من النقاشات الثقافية الجزائرية. ويقول: "كأننا انتبهنا لأول مرة إلى أن الجزائر تقع في قارة أفريقية، وأن ثلاثة أرباع مساحتها صحراء، بكل ما يترتب عن هذا البعد في الهوية الوطنية من آداب وفنون وتعبيرات".
ويرى بن باطة أن كتّاب الساحل الأفريقي الناطقين بالفرنسية يجدون في المشهد الفرنسي اهتماما وجوائز ومنصات انتشار، بينما يظل الجوار الأفريقي أقل حضورا في السياق الثقافي الجزائري. ويدعو إلى سياسة ثقافية تستقطب هذه الأقلام وتوفر لها مساحات نشر وترجمة وحوار.
يقول ميموني إن الدار تستعد للمشاركة للمرة الثانية في معرض الجزائر الدولي للكتاب، وتعرض في جناحها نحو تسعين عنوانا، بين إصداراتها وأعمال توزعها ضمن شبكة شراكاتها.
كما تعمل الدار على إطلاق سلسلة كتب أدبية وفكرية أفريقية مترجمة إلى العربية، من الفرنسية والإنجليزية والبرتغالية، إلى جانب التفكير في إصدار مجلة متخصصة في الأدب الأفريقي، وإنشاء إقامة إبداعية تستضيف أقلاما أفريقية.
ويرى ميموني أن الترجمة قد تكون أداة لتقريب الجزائر من محيطها الأفريقي، ويقول: «ما جدوى أن نملك عشرات المعاهد الجامعية المتخصصة في الترجمة، إذا كنا لا نستفيد من خريجيها في خلق حركية ترجمية تملأ فراغاتنا في هذا الباب؟»
لا يخفي ميموني أن إدارة دار نشر من تندوف تواجه تحديات لوجستية واقتصادية، بدءا من نقل الكتب إلى المدن الجزائرية، ومرورا بتكاليف الطباعة والتوزيع، وانتهاء ببناء شبكة قراء خارج المعارض.
ويقول إن الدار حاولت أن تتجاوز هذه القيود عبر الشراكات، والمشاركة في المعارض، والتركيز على عنوان واضح يجمع بين أدب الصحراء والانفتاح على أفريقيا.
ويرى أن على الدولة والجهات الثقافية دعم مثل هذه المبادرات، لا لأنها مشروع فردي فقط، بل لأنها تربط الجنوب الجزائري بمحيطه الأفريقي، وتمنح كتّاب الصحراء فرصة أكبر للحضور في المشهد الوطني.
ويقترح ميموني إقامة مهرجان للآداب الأفريقية في إحدى مدن الجنوب، يقترب من تندوف وأدرار وتمنراست، ليكون منبرا للترجمة والحوار والنشر، ولتقريب القراء الجزائريين من تجارب أدبية من دول الجوار.
وبين مشروع نشر صغير وانفتاح ثقافي واسع، تظل "أشنكض" تجربة تختبر سؤالا بسيطا: هل تستطيع الصحراء أن تتحدث عن نفسها، ومن داخلها، في المشهد الأدبي الجزائري؟