في شارع الرشيد العريق بوسط بغداد، وخلف مدخل خشبي ضخم تعلوه شمعدانات وزجاج ملون، شرع عشرات الزوار في التوافد إلى "شماش"، أول متحف من نوعه تفتتحه الطائفة اليهودية في العراق، في خطوة لإنقاذ تراث أقلية تجذرت في بلاد الرافدين وتكافح اليوم للحفاظ على ذاكرتها من الاندثار.
ويقتصر المتحف -الذي افتُتح الشهر الماضي- على قاعة واحدة تضم وثائق، وصوراً عائلية، وشهادات مدرسية ليهود عراقيين.
ويؤكد المحامي في اللجنة الإدارية لليهود العراقيين، عمار التميمي، أن هذا المعلم هو "المتحف الوحيد في العراق للطائفة اليهودية"، مشيراً إلى الإقبال الذي بدأ يشهده من قبل العراقيين والأجانب.
لم يكن مبنى "شماش" متحفاً في الأصل؛ بل تأسس عام 1928 كمدرسة بتمويل من المواطن العراقي اليهودي يعقوب شلومو شماش.
ووفرت المدرسة حينها تعليماً باللغة الإنجليزية لتلامذة من مختلف الطوائف العراقية، قبل أن تصادرها الدولة وتحولها إلى مدرسة حكومية في السبعينيات. وفي عام 1992، أعاد قرار قضائي المبنى إلى الطائفة اليهودية.
ورغم توالي الأزمات على العراق من حصار التسعينيات، إلى الغزو الأمريكي عام 2003، فالأزمات الطائفية، ثم سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية استثمر ممثلو الطائفة، وعلى رأسهم خالدة فؤاد إلياهو (63 عاماً)، حالة الاستقرار النسبي الأخيرة للبدء في إحياء مواقعهم المهملة، وفي مقدمتها "شماش".
تتزين جدران المتحف بصور لشخصيات يهودية تركت بصمتها في تاريخ الدولة العراقية الحديثة، أبرزهم ساسون حسقيل (1860-1932) أول وزير للمالية في العراق، والطبيب ظافر فؤاد إلياهو (1960-2021) الذي عُرف بتقديم خدماته الطبية مجاناً للمرضى.
وتعود جذور الوجود اليهودي في العراق إلى 2600 سنة، وتحديداً إلى حقبة "السبي البابلي" في القرن السادس قبل الميلاد.
ورغم أن الجالية اليهودية العراقية كانت من أكبر الجاليات في الشرق الأوسط، فإن عشرات الآلاف غادروا البلاد عقب مجزرة "الفرهود" عام 1941 وتزايدت وتيرة الهجرة بعد إعلان قيام إسرائيل عام 1948.
واليوم، في بلد يتجاوز عدد سكانه 46 مليون نسمة، تقلص عدد أفراد الطائفة إلى العشرات فقط، يتمركز غالبيتهم في إقليم كردستان شمالي البلاد ولا يجاهرون بديانتهم.
توقظ مقتنيات المتحف حنيناً لدى الأجيال التي عاصرت التنوع الديمغرافي القديم في بغداد. وخلال تجوله في القاعة، يستذكر السبعيني رمزي الساعدي جيرانه اليهود في شارع الكفاح ببغداد، قائلاً: "كانوا ناساً طيبين وبسطاء ولم يلحقوا الأذى بأحد.. هذا المتحف مهم لنتذكر تاريخهم وحضارتهم".
ولا يتبقى اليوم في عموم العراق سوى أقل من 50 معبداً وموقعاً يهودياً، يتركز معظمها في العاصمة بغداد، ومدينة الحلة مركز محافظة بابل، حيث تكافح هذه المعالم عقوداً من الإهمال والنزاعات التي حولت كثيراً منها إلى ركام أو مخازن مهجورة، بانتظار مبادرات ترميم تعيد ربط الحاضر بماضي التنوع العراقي.