مبعوثة “الشروق” إلى شنغهاي: إيمان كيموش
انطلقت، صباح الخميس، بمدينة شنغهاي الصينية، فعاليات الطبعة التاسعة من معرض الصين الدولي للاستيراد، الذي يعد أول معرض وطني في العالم مخصص للاستيراد، وذلك بمشاركة ممثلين عن 162 دولة ومنطقة ومنظمة دولية، في تظاهرة اقتصادية عالمية تتواصل فعالياتها إلى غاية 10 نوفمبر الجاري، بالمركز الوطني للمعارض والمؤتمرات.
وجرى حفل الافتتاح بحضور نائب رئيس مجلس الدولة الصيني، دينغ شيويه شيانغ، الذي ألقى الكلمة الرئيسية، إلى جانب شخصيات رسمية وممثلين عن مختلف الدول المشاركة، على رأسهم رئيس الغابون بريس كلاوتر أوليغي نغيما، والمستشار الفيدرالي النمساوي كريستيان ستوكر، ونائب رئيس ليبيريا جيريميا كونغ، وغيرهم، فيما حملت الرسائل الصينية، خلال هذه الطبعة، تأكيدا جديدا على توجه بكين نحو تعزيز الانفتاح الاقتصادي وتوسيع المبادلات التجارية مع مختلف دول العالم.
وأكد نائب رئيس مجلس الدولة الصيني، دينغ شيويه شيانغ، أن معرض الصين الدولي للاستيراد يجسد التزام بلاده بتعزيز الانفتاح الاقتصادي وتحرير التجارة ودعم العولمة الاقتصادية، مشيرا إلى أن الصين لا تسعى إلى تحقيق فوائض تجارية بقدر ما تعمل على توسيع وارداتها وتحقيق توازن تجاري أكثر شمولا ومنفعة متبادلة. وكشف أن واردات الصين سجلت نموا بنسبة 22.3 بالمائة خلال الأرباع الثلاثة الأولى من السنة، متجاوزة وتيرة نمو الصادرات بنحو ست نقاط مئوية، مؤكدا استعداد بلاده لتعميق التعاون الاستثماري، وتوسيع الشراكات في مجالات التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي والطاقة الخضراء، وإزالة الحواجز أمام المبادلات التجارية، بما يتيح للدول والشركات الأجنبية الاستفادة من فرص السوق الصينية، التي يرتقب أن تبلغ مبيعاتها السنوية من السلع الاستهلاكية نحو 60 تريليون يوان مع نهاية الخطة الخمسية الخامسة عشرة.
من جهته اعتبر وزير التجارة الصيني، وانغ ونتاو، في كلمته الافتتاحية، أن المعرض الذي بادر إلى إطلاقه الرئيس شي جين بينغ سنة 2018، تحول بعد ثماني طبعات ناجحة إلى منصة دولية لتقاسم فرص التنمية الصينية وتعزيز الانفتاح والتعاون متبادل المنفعة، مشيرا إلى مشاركة 162 دولة ومنطقة ومنظمة دولية، منها 65 دولة وأربع منظمات دولية في معرض الدول، إلى جانب أكثر من 4100 عارض في معرض الأعمال، فضلا عن تنظيم 23 منتدى متخصصا و80 نشاطا موازيا.
وأكد دينغ شيويه شيانغ، في كلمته، أن التحدي المطروح أمام الاقتصاد العالمي لا يتعلق فقط بحجم المبادلات التجارية، وإنما بكيفية تحقيق التوازن التجاري، مشيرا إلى أن معرض الصين الدولي للاستيراد يمثل خطوة عملية لتوسيع الواردات وتعزيز العولمة الاقتصادية المنفتحة والشاملة، وأوضح أن الصين لا تسعى إلى تحقيق فوائض تجارية في حد ذاتها، بل تعمل على توسيع سوقها أمام المنتجات والخدمات الأجنبية، وتعزيز التعاون الاستثماري والاندماج في سلاسل الإنتاج العالمية، إلى جانب تطوير الابتكار والتكنولوجيات الخضراء وإزالة الحواجز التجارية، كما كشف أن واردات الصين سجلت نموا بنسبة 22.3 بالمائة خلال الأرباع الثلاثة الأولى من السنة، مقابل نمو أقل للصادرات، مؤكدا استعداد بلاده لمواصلة فتح أسواقها أمام المؤسسات الأجنبية وتوفير فرص جديدة للشراكة والاستثمار.
من جهته، شدد مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ألكسندر دي كرو، على أن التجارة ينبغي ألا تقاس فقط بحجم المبادلات، وإنما بمدى مساهمتها في خلق مناصب الشغل وتحقيق التنمية المستدامة وتقليص الفقر والفوارق بين الجنسين، مؤكدا أن استفادة الدول النامية من فرص الوصول إلى الأسواق العالمية تظل مرتبطة بقدرتها على تطوير الإنتاج المحلي وبناء الصناعات ونقل التكنولوجيا وتأهيل اليد العاملة، خاصة في ظل دخول 1.2 مليار شاب عالميا إلى سوق العمل خلال السنوات الخمس عشرة المقبلة. واعتبر أن الشراكات التجارية ينبغي أن تخلق قيمة مضافة وفرصا حقيقية للشعوب، لا أن تقتصر على مبادلات ذات طابع تجاري صرف.
وتكشف أرقام الطبعة التاسعة عن الحجم المتزايد لهذه التظاهرة الاقتصادية، حيث تسجل مشاركة أكثر من 4100 عارض في معرض الأعمال، من بينهم أكثر من 300 مؤسسة من كبرى الشركات العالمية والمؤسسات الرائدة في قطاعاتها، فيما تتجاوز المساحة الإجمالية للأجنحة 440 ألف متر مربع، في مؤشر على المكانة التي بات يحتلها المعرض ضمن خارطة التظاهرات الاقتصادية والتجارية الدولية.
وفي جولة ميدانية بأروقة المعرض، كان واضحا أن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي يتصدران واجهة هذه الطبعة، لاسيما ما يعرف بالذكاء الاصطناعي المتجسد، الذي انتقل من مرحلة التطبيقات الرقمية إلى تجسيده في روبوتات قادرة على الحركة والتفاعل المباشر مع الإنسان وشهدت الأجنحة التكنولوجية عرض نماذج متطورة من الروبوتات البشرية، التي لم تعد تقتصر على أداء المهام الصناعية، بل أصبحت قادرة على المشي والتحدث والتفاعل مع الزوار، وتقديم القهوة ولعب الشطرنج، فضلا عن تطبيقات موجهة لمساعدة كبار السن وتقديم الخدمات اليومية.
كما استعرضت الشركات المشاركة أحدث ابتكاراتها في مجالات الذكاء الاصطناعي والطب والتعليم والزراعة والرقائق الإلكترونية والحوسبة السحابية، إلى جانب تكنولوجيات الطاقة الخضراء والحلول المرتبطة بالاقتصاد منخفض الكربون، بما يعكس حجم التحول التكنولوجي الذي تشهده الصناعات العالمية، خاصة مع تسارع إدماج الذكاء الاصطناعي في مختلف مناحي الحياة والإنتاج.
وكان جناح السيارات والتنقل الذكي من أكثر الأجنحة استقطابا للزوار، بالنظر إلى تنوع العلامات العالمية المشاركة وحجم الابتكارات المعروضة، حيث تنافست الشركات على إبراز أحدث ما توصلت إليه في مجال السيارات الكهربائية والهجينة وأنظمة القيادة الذكية.
ومن أبرز ما استوقف زوار المعرض مركبة التاكسي الطائر الكهربائية، التي قدمت نموذجا لمستقبل التنقل داخل المدن، من خلال مركبة جوية كهربائية ذاتية القيادة بمقعدين، في مشهد يعكس الانتقال التدريجي من وسائل النقل التقليدية إلى حلول التنقل الجوي الذكي.
كما عرضت شركة نيسان تشكيلتها الجديدة من السيارات الكهربائية، وفي مقدمتها سيارة “أن 7” الكهربائية بالكامل، الموجهة للسوق الصينية، إلى جانب نماذج من سيارات الدفع الرباعي الكهربائية أما تويوتا، فقد جمعت في جناحها بين ذاكرة الصناعة ومستقبلها، من خلال عرض سيارتي كراون 1963 وكورولا الأولى لسنة 1968، إلى جانب أحدث طرازاتها الكهربائية والهجينة، وشاحنة ثقيلة تعمل بالهيدروجين.
وفي جناح هوندا، كان الاحتفاء ببلوغ الإنتاج العالمي التراكمي للشركة 500 مليون دراجة نارية من أبرز محطات المشاركة، حيث استعرضت الشركة نماذج من دراجاتها الكلاسيكية والحديثة، إلى جانب سيارات السباق كما حضرت شركة ميشلان بتقنيات جديدة في مجال الإطارات وقطع الغيار، من بينها حلول تستهدف تقليل استهلاك الوقود وتعزيز مستويات السلامة والأداء.
ولم يقتصر التنافس على العلامات الآسيوية، بل سجلت كبرى الشركات الأوروبية والأمريكية حضورا لافتا، وفي مقدمتها فولكسفاغن التي استعرضت ثمانية طرازات، خمسة منها ضمن فئة مركبات الطاقة الجديدة، إلى جانب عائلة “أي دي” الجديدة، التي تضم نماذج سيدان وسيارات رياضية متعددة الاستخدامات، كما سلطت الشركة الضوء على منصتها الإلكترونية الجديدة المطورة للسوق الصينية وأنظمة القيادة الذكية.
وبدورها، قدمت “بي أم دبليو” الجيل الجديد من سيارتها الكهربائية “إي أكس 3″، إلى جانب مجموعة من الطرازات الرياضية والفاخرة، فيما استعرضت فولفو سيارتي “إي أكس 90” و”أس 90″، وركزت مرسيدس على عائلة “جي أل سي” الكهربائية الجديدة، المعتمدة على منصة 800 فولط.
كما حضرت كاديلاك بطرازات فاخرة ورياضية متعددة الاستخدامات، في تأكيد على استمرار اهتمام العلامات الأمريكية بالسوق الصينية، رغم احتدام المنافسة مع الشركات المحلية، وتكشف هذه المشاركات أن الصين أصبحت فضاء لتطوير نماذج جديدة من المركبات والتكنولوجيات، بما يتماشى مع خصوصيات المستهلك الصيني والتحولات المتسارعة في قطاع النقل.
وعلى مستوى المشاركة العربية، برزت مجموعة من التجارب التي راهنت على المنتجات الغذائية والطبيعية والحرفية، في محاولة لتعزيز حضورها داخل السوق الصينية، ومن بين التجارب اللافتة المشاركتان التونسية والبحرينية، وشملت المعروضات منتجات تقليدية، على غرار زيت الزيتون، إلى جانب منتجات طبيعية ومستحضرات تجميل وحرف يدوية، فضلا عن خدمات مرتبطة بقطاعي السياحة والطاقة، في مسعى لتنويع الصادرات العربية واستكشاف فرص جديدة في السوق الصينية.
أما المشاركة الإفريقية، فقد اكتسبت أهمية إضافية في هذه الطبعة، على خلفية دخول سياسة الإعفاء الجمركي الصيني حيز التنفيذ ابتداء من الفاتح ماي 2026، لفائدة 53 دولة إفريقية تربطها علاقات دبلوماسية مع الصين، وسجلت الغابون مشاركة وطنية لأول مرة بجناح يمتد على مساحة 132 مترا مربعا، تحت شعار “الغابون، أرض الفرص”، فيما ركزت ساحل العاج على منتجات الكاكاو والقهوة والكاجو وجوز الكولا والمنسوجات، وعرضت علامات تجارية متخصصة، كما قدمت الكاميرون تشكيلة من المنتجات الغذائية، بينها السمسم المحمص والكاكاو وزبدة الشيا ورقائق الموز، بينما عرضت دول إفريقية أخرى منتجاتها الفلاحية والطبيعية، على غرار شاي الرويبوس من جنوب إفريقيا، والزهور والأفوكادو والشاي من كينيا، والقهوة والشاي والأحجار الكريمة من تنزانيا، والعسل من زامبيا والكاجو من نيجيريا.
وبالنسبة للجزائر، تطرح هذه التظاهرة الاقتصادية، وغيرها من فرص الانفتاح الصيني، مكاسب تجارية فعلية، خاصة في ظل الإعفاءات الجمركية المعلنة لفائدة الدول الإفريقية، والتي تشمل، وفق المعطيات المقدمة بشأن السياسة الجديدة، 8949 خطا جمركيا، خلال الفترة الممتدة من الفاتح ماي 2026 إلى 30 أفريل 2028.
ومما لا شك فيه أن المنتجات الفلاحية والغذائية الجزائرية تعد من أبرز القطاعات المرشحة للاستفادة من هذه الفرصة، وفي مقدمتها التمور، خاصة دقلة نور، وزيت الزيتون البكر الممتاز، والتين المجفف والمشمش والخروب، إلى جانب منتجات أخرى قابلة للتسويق في السوق الصينية.
كما تبرز فرص واعدة في مجال المنتجات الصناعية، على غرار مشتقات الفوسفات والأسمدة والمنتجات البتروكيماوية والصلب والإسمنت والزجاج، فضلا عن المنتجات الحرفية التقليدية، مثل الزرابي والفخار والنحاس والحلي، التي يمكن أن تجد لها مكانة ضمن سوق تبحث باستمرار عن منتجات جديدة ومتنوعة.
ولا تتوقف الفرص عند التصدير السلعي، بل تمتد إلى السياحة، بالنظر إلى الاهتمام المتزايد بالسياحة الصحراوية والثقافية، وما تزخر به الجزائر من مؤهلات طبيعية وتاريخية يمكن أن تستقطب أعدادا أكبر من السياح الصينيين.