أولًا: الأدب الياباني: اكتشاف المعنى في الأشياء (١).
يختلف البشر، خصوصًا أولئك الرحالة والمستكشفون والسيَّاح الذين يطوفون ويسافرون ويزورون بُلدانًا ومُدنًا كثيرة، في تصنيفها وإبداء آرائهم حولها وتقديم ملاحظاتهم عنها بين إطراء وإشادة وثناء، أو ذم وازدراء وانتقاص لجَمالها وطبيعتها وأخلاق شَعبها ونظافتها، وتطوُّر بنيتها الأساسيَّة، وإجراءات تعاملها مع ضيوفها، وتكلفة الحياة فيها... الثناء والقدح كلاهما يستندان إلى حجج ومشاهد ورصد لأُسلوب التعامل والسلوك اليومي... ولا يُستثنى بلد من هذا التباين والتناقض في طرح الرأي والحكم إلَّا دولة واحدة، إنَّها اليابان. فلم أسمع وأقرأ لأحَد زارها وتعامل مع شَعبها إلَّا وامتدحها وهامَ بأرضها عشقًا، وانبهر من تطوُّرها وطبيعتها ونظافتها، وعاش في حالة من الإعجاب والإدهاش، وجعل منها نموذجًا للتقدُّم والازدهار، وتطبيق النُّظم والقوانين، ويُسْر الإجراءات وسرعة إنهائها، والنظافة العالية، والأخلاق الرَّفيعة والانضباط، وقوَّة الإرادة، وحُب العمل ونبذ الكسل والخمول... مفكِّرون، كتَّابًا، مثقَّفين، سيَّاحًا، رحَّالة... جميعهم غادروها وهم في حالة ذهول وشعور بصدمة حضاريَّة للبون العظيم بيننا نحن العرب وبين اليابان، وما بلغته هذه الدَّولة من تفرُّد واستثنائيَّة وتكامل في كل شيء ممَّا لم تصل إليه دولة أخرى على مستوى العالم، وعندما تحدَّثتُ عن تجربتي بعد زيارة كوريا الجنوبيَّة، وكتبتُ وأطنبتُ في مدح نظافتها وأخلاق شَعبها، كانت الأسئلة ذاتها تتكرر من قَبل الأصدقاء وأبناء عمِّي الذين زاروا هذا البلد المتفرد، «هل ذهبت إلى اليابان من قَبل؟» وعندما أجيبهم على أسئلتهم بالنَّفي، يُعقِّبون قائلين: «إذن ماذا ستقول وتكتب بعد أن تزورَها؟»، مضيفين بأنَّ كوريا الجنوبيَّة ما هي إلَّا صورة مصغَّرة لليابان... ونَمَت معرفتي، وتطوَّرت علاقتي وارتبطت باليابان أكثر فأكثر وأنا أغوص وأنهل من العناوين والصفحات التي تضمُّها أدراج مكتبتي الأغلى على نفسي، وقرأتها الواحد بعد الآخر، كتبًا في التاريخ، سِير ذاتيَّة، ملاحم روائيَّة، مشاهد من الحياة والتقاليد، تحقيقات صحفيَّة لرحَّالة، خصوصًا تلك التي نشرتها مجلة «العربي» الكويتيَّة، ومن بين أهمِّ تلك العناوين التي قدَّمت قراءة مستقلَّة عنها: «رحلتان إلى اليابان»، يفصل بين الأولى، التي قام بها علي أحمد الجرجاوي في (1906) والثانية، التي أجراها الدكتور صبري حافظ في (2012)م، أكثر من قرن من الزمن. تأتي أهميَّة الكِتاب وقوَّته فيما يعرضه من معلومات غنيَّة وثمينة، وما يُحْدثه في القارئ من مشاعر إيجابيَّة وأثَر يُظهر عظمة اليابان، ويعرض لإرادة وفرادة وذكاء شَعبها وما يتميَّز به من عبقريَّة... أهدى الجرجاوي رحلته عن (أخبار تلك الأُمَّة الرَّاقية) اليابانيَّة، إلى كل (عالِم وأديب في مصر، خصوصًا الناشئة الحديثة التي هي موضع آمال الأُمَّة)، بهدف (نفع بلادي وخدمة دِيني وجامعتي)، فكلا الكاتبين يسعيان من عرض تجربتهما تحقيق التقدُّم لبلادهما، (واستلهام النماذج التي طوَّرت نفسها، وحظِيَتْ بمكانة مرموقة بين الأُمم). لقد رصدت الرحلة الأولى بذور النهضة اليابانيَّة العلميَّة وانطلاقتها الحضاريَّة، وإصرار اليابانيين على تطبيق الحداثة وتحقيق التطوُّر، وما شهدته اليابان من تقدُّم سريع، خصوصًا في مجال النَّقْل والاتِّصال والصِّناعة، لقد كانت وسيلة (المواصلات الوحيدة التي تنقل مصريًّا إلى اليابان في مطلع القرن العشرين، هي القطار ثم السفينة، بينما كانت الطائرة والنفاثات العملاقة بالتحديد، قد قلَّصت زمن الرحلة التي استغرقت شهورًا في الرحلة الأولى كي يصلَ صاحبها إلى اليابان، فلم تتجاوزْ عدَّة ساعات في الرحلة الثانية) .ورغم أن الحرب العالميَّة الثانية، التي وضعت أوزارها في الثاني من سبتمبر عام (1945)، أدَّت إلى تدمير شِبه كامل للبنية الأساسيَّة والاقتصاد الياباني، وطمس الإنجازات الحضاريَّة، إلَّا أنَّها لم تتحول إلى عائق أخَّرها عن النهوض والتقدُّم، بل العكس هو الصحيح، فقد كانت عاملًا لتحقيقِ النهضة العلميَّة والاقتصاديَّة، ودرسًا استلهمت منه القدرة على كيفيَّة التغلُّب على التحدِّيات وتجاوز صدمة الحرب وأهوالها. يقول الجرجاوي في مقدِّمة رحلته التي كتَبَها قَبل أكثر من مائة عام: (لقد أصبحنا في عصر تتسابق فيه الأُمم إلى إحراز قصَب السَّبق في ميدان الحضارة)، فهنا في اليابان (أُمَّة في الثلاثين ربيعًا من سِني حياتها الجديدة تنظر إليها الأُمم الأخرى نظر الإجلال والاعتبار حتى إذا قرأوا ما لم يصل إلى علمهم عنها دبَّت في نفوسهم الحميَّة فنزعوا رداء الكسل وقالوا: حيَّ على خير العمل). لقد رصد الجرجاوي مشاهداته لملامح النهضة الاقتصاديَّة والتنمويَّة التي وصلت إليها المُدن اليابانيَّة، في وقت مبكر، كانت فيه معظم دول العالم في الشرق والغرب تعيش عصر التخلُّف والانغلاق، فيما كانت (يوكوهاما) (أول مدينة في اليابان مدَّ فيها الخط التلغرافي في (25) ديسمبر (1869) وفي سنة (1870) مدَّ التلغراف بينها وبين طوكيو، وفي سنة (1872) مدَّ منها خط سكَّة حديديَّة إلى طوكيو)، وقد (أخذت هذه المدينة زخرفها من المَدنيَّة ودلائل الحضارة إلى درجة راقية، خصوصًا الأنوار الكهربائيَّة التي تسطع فيها إذا توارت الشمس بالحجاب. وشوارعها متَّسعة مفروشة بالبلاط) .في الرحلة الثانية قدَّم الدكتور صبري حافظ، تحليلًا دقيقًا لسِمات الشخصيَّة اليابانيَّة وخصائصها، فهي (تتحمل الحياة في جلَدٍ وصبْر وأناة)، و(تفصل بصرامة لم أعرف مثيلًا لها فيما عرفته من بشر وثقافات بين عالمها الداخلي وعالمها الخارجي). واسترجع الكاتب العديد من المواقف التي حدَثت له في لوس أنجلوس، أثناء عمله في جامعة كاليفورنيا في (1983)، وكيف كانت النصائح تنهال عليه من الأميركيين، وحثّه (عندما أراد شراء سيَّارة خاصَّة)، بعدم شراء السيَّارات الأميركيَّة، وعليه أن يختارَ اليابانيَّة، (حينما خرجت للسوق الأميركي وجدت أنَّه مشبع وقتها بالبضائع اليابانيَّة من السَّاعات والأجهزة الإلكترونيَّة، وأشرطة الفيديو وحتى الأجهزة المنزليَّة من غسَّالات وثلاجات ومكانس وغيرها)، ما يؤكِّد على (قدرة البضائع اليابانيَّة على التفوُّق من النَّاحيتين التقنيَّة والإنتاجيَّة) .أشار الكاتب في رحلة (2012)م إلى أنَّه وجد الأجرة (التاكسي) الياباني (أنظف أجرة (تاكسي) ركبتُه في حياتي)، كما أن (الباب يفتح تلقائيًّا أو أوتوماتيكيًّا وحده)، وخصَّص ما يزيد على أربع صفحات من رحلته في وصف خصائص الأجرة (التاكسي) الياباني. أمَّا النِّظام الشَّامل في الطُّرق والفنادق والمؤسَّسات وغيرها، فيعلم الياباني (التفكير الاستباقي في كل خطوة)، والياباني حينما يرتكب هفوة (وهو أمر غير وارد أصلًا فإنَّه يشعر داخليًّا بتبكيت الضمير وبأنَّه يرتكب إثمًا ضدَّ نفسه، فنظرة استهجان واحدة قد تقضُّ مضجعه لليلة كاملة). «يتبع».