حين يرحل الشعراء الحقيقيون، لا يتركون وراءهم قصائد فحسب، إنما يتركون شيئًا من أرواحهم موزعًا بين الناس، فى الأغنيات والذكريات والمواقف والكلمات التى قالوها ذات يوم، ثم مضوا دون أن ينتبهوا إلى أنها ستبقى أطول من أعمارهم.هكذا رحل الشاعر الكبير عمر الصاوى، تاركًا فى القلب غصّة، وفى الذاكرة حكايات، عرفت عمر الصاوى من خلال عمل شعرى استثنائى، هو أوبريت «زفة نجيب محفوظ»، الذى كتبه احتفاءً بحصول أديبنا الكبير على جائزة نوبل، فى لحظة كانت فيها مصر تحتفل بواحد من أعظم أبنائها، أوبريت بديع، اجتمعت له ألحان أشرف السركى، وأصوات العمالقة أحمد إبراهيم وشفيق جلال وعزة بلبع، ليصبح عملًا فنيًا يستحق أن نعود إليه، لا باعتباره وثيقة من زمن جميل فحسب، إنما باعتباره نموذجًا لما تستطيع أن تصنعه العامية المصرية حين تجتمع لها الكلمة الذكية واللحن الجميل والصوت الصادق.ما زال فى أذنى من هذا الأوبريت ذلك التعبير الذى اختصر خفة الروح المصرية وقدرتها على تحويل الاحتفال إلى فرح شعبى أصيل:«الزفة لفّة بخفة وذوقمن السكرية لقصر الشوقوسّع يا واد وسّع وسّعتصقيفة للى رفعنا لفوق».يا لها من كتابة، كلمات قليلة، لكنها تفتح شارعًا كاملًا للفرح، وتمزج نجيب محفوظ بأحيائه وشخصياته، وتحوّل الإنجاز الثقافى الكبير إلى مناسبة يحتفل بها الناس بلغتهم، وبحسهم الشعبى، وبذلك الذكاء الذى يجعل العامية قادرة على قول الكثير دون ادعاء أو افتعال.كنت، وما زلت، أرى أن هذا الأوبريت يستحق أن يُذاع بانتظام على شاشات التليفزيون المصرى، وأن يجد مكانه اللائق فى ذاكرة الأجيال الجديدة، ولو كنت صاحب قرار، لفرضت إذاعته فرضًا، مكافأة للجمال، وتذكيرًا بأن لدينا كنوزًا فنية لا ينقصها سوى من يفتح لها الأبواب.ولعل أجمل ما فى الحكاية أن «زفة نجيب محفوظ» لم تكن مدخلى الوحيد إلى عمر الصاوى، فقد عرفته أيضًا شاعرًا كريمًا فى علاقته بالآخرين، يقرأ قصائدى المنشورة على فيسبوك، ويكتب تعليقات عليها، ويمنحنى من اهتمامه ما يجعلنى أشعر بأن وراء الكلمات قلبًا يتابع، وروحًا تعرف كيف تحتفى بتجارب الآخرين.وهنا يصبح الرحيل شخصيًا، وتصبح الخسارة أكبر من مجرد غياب شاعر نحب شعره، إننا نفقد إنسانًا كان عطوفًا على أصدقائه، لا يبخل عليهم بكلمة طيبة، ولا يتعامل مع الشعر باعتباره منافسة على مقعد أو لقب، إنما باعتباره رابطة تجمع أصحاب القلوب المتشابهة، حتى لو اختلفت تجاربهم وأجيالهم.كان عمر الصاوى، فى تقديرى، واحدًا من أولئك الذين حملوا أمانة العامية المصرية، وانتموا إلى مدرسة شعرية كبيرة، هى مدرسة الوالد فؤاد حداد، الذى لم يكن شاعرًا عظيمًا فحسب، بل كان صاحب مشروع شعرى وإنسانى ترك أثره العميق فى أجيال من الشعراء.وعمر الصاوى هو ناظر مدرسة الوراق، تلك المدرسة التى انتظمت تحت جناح فؤاد حداد، وتعلمت من تجربته كيف تكون العامية لغة شعر حقيقية، قادرة على التعبير عن الإنسان والشارع والتاريخ والحلم، وكيف يمكن للكلمة البسيطة أن تحمل وراءها ثقافة واسعة ورؤية عميقة للحياة.ويكفى أن نقول اسم فؤاد حداد لندرك قيمة التلاميذ الذين ساروا فى رحابه، لا لأنهم نسخ مكررة من أستاذهم، إنما لأنهم تعلموا منه أن للشعر موقفًا من الحياة، وأن الانحياز إلى الناس ليس شعارًا يقال، بل روح تسرى فى القصيدة، وتمنحها صدقها وحرارتها.وليس معنى الانتماء إلى مدرسة كبيرة أن يتشابه الجميع، إنما أن يظل لكل شاعر صوته الخاص، فيما تجمعهم محبة الشعر والإيمان بقدرة الكلمة على أن تكون أكثر من زينة لغوية.رحل عمر الصاوى، لكن أعماله باقية، وستظل «زفة نجيب محفوظ» واحدة من تلك العلامات التى تستحق أن نعيد اكتشافها، وأن نمنحها حقها من الحضور والاحتفاء، وستبقى كذلك ذكراه فى نفوس أصدقائه، وفى تعليقات كتبها على قصائد، ربما لم يكن يتصور أن أصحابها سيعودون إليها يومًا، فيفتقدون صاحبها أكثر مما يفتقدون الكلمات نفسها.إلى صديقى الشاعر رجب الصاوى، شقيق الراحل، خالص العزاء فى أخ كريم وشاعر كبير، وإلى محبى عمر الصاوى وتلاميذ مدرسة الوراق، عزاء يليق برجل أحب الشعر وأحبه الشعراء.أما قصيدة العامية المصرية، فلها اليوم عزاء آخر، عزاء شاعر من شعرائها الذين عرفوا كيف يجعلون الكلمة خفيفة على اللسان، عميقة فى الروح، قريبة من الناس.سلامًا يا عمر الصاوى.ستظل الزفة تمشى من السكرية إلى قصر الشوق، وسيظل صوتك حاضرًا فى فرحنا بنجيب محفوظ، وفى محبتنا لفؤاد حداد، وفى كل مرة نكتشف فيها أن الشاعر، وإن رحل، يستطيع أن يترك لنا من الحياة ما يكفى لأن نواصل الغناء.
عمر الصاوي..الذي ترك للعامية زفّة من ذهب
الأخبار العاجلة تصلك أولاً على تلغرام
انضم لقناتنا لتتابع أهم الأخبار فور وقوعها، بدون تعقيد.