ذهبت إلى زنجبار ضمن وفد جمعية الصحفيين العُمانية لتغطية الملتقى الصحفي العُماني التنزاني، وفي ذهني ما قرأته عنها في كتب التاريخ، غير أنني منذ خطواتي الأولى في شوارع الجزيرة عرفت أنني جئت أبحث عن شيء آخر.. عن التاريخ وقد غادر الكتب وصار بابا خشبيا قديما أو جدارا من حجر، أو بحرا مفتوحا على الأفق.وشيئا فشيئا بدأت عُمان تظهر لي.. لم تظهر في صورة واحدة ولا في موقع بعينه؛ كانت تتسلل من الأزقة الضيقة ومن نقوش الأبواب ومن رائحة البحر والتوابل ومن أسماء الأماكن وحكايات أهلها. وكنت كلما وقعت على أثر قلت لنفسي: لقد مر العُمانيون من هنا، ثم يتبيّن لي في كل مرة أنهم أقاموا؛ عاشوا وبنوا وتاجروا وأداروا، وطبعوا الكتب وأسسوا المؤسسات، وتركوا أثرا ما زالت الجزيرة تحمله. وكان يرافقني في التنقل بين المحطات سالم بن محمد الخنجري الحارثي، الباحث في تاريخ شرق أفريقيا وقد أضفى على الزيارة بعدا معلوماتيا وتاريخيا ما كان ليكون لولا حضوره ورحابة صدره. المدينة الحجريةفي ستون تاون، أو المدينة الحجرية، يصير المشي ضربا من القراءة، فأنت هنا لا تحتاج إلى خريطة كي تجد التاريخ، يكفي أن تترك الأزقة تأخذك من باب إلى باب. الأزقة ضيقة والبيوت متلاصقة كأن كلًّا منها يسند جاره والأبواب الخشبية تستوقفك عند كل منعطف، بعضها مثقل بالنقوش وبعضها أكل الزمن أطرافه. كنت أقف أمامها طويلًا وكل باب يفتح في خيالي بابا آخر فأرى تاجرا عُمانيا يعود من الميناء وبحارا أنهكته الرحلة وأسرة جاءت من عُمان بتفاصيل حياتها اليومية، وأطفالا وُلدوا في هذه المدينة ونشؤوا فيها.في حكاية عُمان وزنجبار كان البحر طريقا، فعلى صفحته الزرقاء جاءت السفن العُمانية بالبضائع والرجال والحكايات والأمنيات، جاء الرجال ومعهم ثقافتهم، عاداتهم وتقاليدهم ولغتهم وطرز البناء التي أتقنوها في الحارات العُمانية وفي خواصر حتى صارت زنجبار أكثر المحطات حضورا في الذاكرة العُمانية خارج الوطن. ولعل هذا ما يفسّر الألفة الغريبة التي غمرتني في تلك الأزقة. كنت أبحث وسط هذا التداخل كله عن ملامح أعرفها وكلما عثرت على واحد منها شعرت أنني عبرت إلى صفحة أخرى من تاريخ بلادي.على الواجهة البحريةعلى الواجهة البحرية للمدينة تتجاور ثلاثة معالم تختصر قرونا من تاريخ الجزيرة. أقدمها القلعة القديمة التي قامت على موقع ارتبط بالوجود البرتغالي، ثم اكتمل بناؤها في الحقبة العُمانية مطلع القرن الثامن عشر. داخل أسوارها لم أستطع أن أمنع ذاكرتي من استدعاء حصون عُمان وقلاعها، فالقلعة في وجداننا العُماني جزء من شخصية المكان قبل أن تكون بناء للدفاع عبر جدرانها التي تحرس المدينة وتراقب البحر.وعلى خطوات منها يقف بيت العجائب، الذي بناه السلطان برغش بن سعيد عام 1883، وكان من أوائل المباني في شرق أفريقيا التي عرفت الكهرباء والمياه الجارية. لكن بيت العجائب كان مغلقا بسبب أعمال الترميم، وأمام هذا لم يكن لي إلا أن أتسمر أمامه طويلًا وأسرح بخيالي إلى تلك المرحلة التي كان فيها هذا البيت مركزا من مراكز الحكم والسياسة وصناعة المستقبل. أخذني التأمل واستعادة التاريخ لأحلم بصورة السفن التي كانت تقترب من الساحل وكأنها تقترب من لحظة الإمساك بالحلم بعيد المنال.وإلى جوار بيت العجائب كان متحف قصر السلطان المعروف ببيت الساحل الذي ظل مقرا رسميا لسلاطين زنجبار حتى ثورة 1964، ثم تحوّل إلى متحف عام 1994. كان القصر جزءا من تجربة جعلت الجزيرة ملتقى بين أفريقيا وعُمان والهند والعالم الأوسع. مشيت في أروقة بيت الساحل ببطء شديد وتوقفت عند كل صورة وكل قطعة فهي بالنسبة لي مفتاح لحكاية وكنت أسأل نفسي: كيف صارت جزيرة صغيرة كهذه، في زمن من الأزمنة، مركزا سياسيا وتجاريا بهذا الحضور الطاغي؟ رغم حجم السؤال وأهميته، إلا أن الإجابة لم تكن صعبة، فوراء الجغرافيا كان البحار العُماني والتاجر، والأسر التي عبرت البحر واستقرت هنا. ووجدتني، في قلب زنجبار، أفكر في مسقط ومطرح وقصر العلم.المطبعة والإذاعةكانت المطبعة السلطانية أقرب المحطات إلى قلبي؛ فأنا قادم من مهنة الورق والحبر، والوقوف في مكان ارتبط بتاريخ الطباعة والصحافة العُمانية في شرق أفريقيا يختلف عن الوقوف أمام أي مبنى تاريخي آخر. ترجع بدايات المطبعة إلى عهد السلطان برغش بن سعيد، وقد أسهمت في حركة ثقافية وفكرية امتد أثرها في زنجبار وشرق أفريقيا، وارتبط بها ظهور الصحافة العربية العُمانية في المنطقة، وهي تجربة تذكر مصادر عُمانية أنها امتدت بين عامي 1911 و1964. وقفت هناك أفكر في أن السفن التي عبرت من عُمان إلى زنجبار حملت مع البضائع الكتب والمخطوطات والأفكار، وأن الكلمة ربما كانت أبقى ما حملته. كان العُمانيون يعرفون البحر، لكنهم كانوا أيضا يملكون رصيدا ضخما من المعرفة في مختلف العلوم التي بقيت مخطوطة في أضاميمهم ومكتباتهم التي أنارت الحارات والقرى العُمانية.وبعد عقود جاءت الإذاعة لتكمل ما بدأته المطبعة، فقد بدأ البث الإذاعي في زنجبار عام 1951 في عهد السلطان خليفة بن حارب البوسعيدي، وتشير المصادر التاريخية إلى أن برامجها جمعت القرآن والأخبار والموضوعات الدينية والزراعية والتعليمية والموسيقى، والعربية فيها إلى جوار السواحيلية. وقفت في المكان أفكر في صوت خرج من هذه الجزيرة الصغيرة ليصل أهلها بما يجري خلف البحر.الطريق إلى مكوندوتشيخارج المدينة تفرض الطبيعة الزنجبارية حضورها، فأنت تلتقي بأشجار النارجيل والمزارع وتحيط بك رائحة التوابل في كل مكان. وعندما تسير وسط القرى الكثيرة تتفاجأ أن البحر يطل عليك فجأة من بين الأشجار. وفي الطريق إلى مكوندوتشي فهمت لماذا أحب العُمانيون هذه الأرض؛ فهي على بعدها تشبه وطنهم الذي يعرف البحر ويفهم حكاياته، وكنت أعود إلى البحر في كل محطة، فهو الشخصية الأهم في قصة عُمان وزنجبار؛ حمل السفن والرجال، وحمل معهم التجارة واللغة والذكريات. وقفت على الساحل أتأمل الأفق، وتخيلت سفينة عُمانية قديمة تقترب من زنجبار بلا محرك ولا جهاز اتصال؛ يدفعها شراع وريح موسمية، ويهديها بحار يعرف النجم والبوصلة. وتساءلت: ماذا شعر ذلك البحّار حين رأى زنجبار أول مرة؟ لعله شعر بما شعرت به الآن: أن أرضا بهذا البعد يمكن أن تبدو مألوفة إلى هذا الحد. بيوت وقصور وقبرفي بيت السيدة فاطمة بنت علي بن سالم، جدة السلطان قابوس بن سعيد -طيّب الله ثراه- تغيّر إحساسي بالمكان. في المواقع العامة يقف التاريخ أمامك على هيئة مبنى أو وثيقة أو قطعة في خزانة عرض، أما في البيت فيقترب منك حتى تكاد تسمعه، فللبيت رائحة أخرى وصمت آخر وتفاصيله الصغيرة تقول أحيانا ما لا تقوله الكتب. كنت أنتقل من غرفة إلى غرفة وأفكر في النساء اللواتي حفظن ذاكرة البيوت العُمانية هنا ونقلنها من جيل إلى جيل، بعيدا عن السلاطين والبحارة والتجار الذين تذهب إليهم الأذهان عادة. كانت صاحبة البيت امرأة من أسرة عُمانية عريقة، عاشت في زنجبار وبقيت عُمان حاضرة في بيتها.وفي قصر السعادة، الذي بناه السلطان خليفة بن حارب عام 1915 شدّني فيه ما وراء فخامته أكثر من الفخامة نفسها، شدتني الحياة التي دارت بين جدرانه ومن دخلوه وفي ذاكرتهم وطن بعيد خلف البحر. ومررت مع الشيخ سالم على بيت المتوني، حيث وُلدت السيدة سالمة بنت سعيد بن سلطان عام 1844، وعلى بيت المرهوبي الذي شيّده السلطان برغش بن سعيد. كنت أبحث فيهما عن الناس الذين عاشوا بين هذه الجدران وأداروا فيها شؤون أيامهم، دون أن يعرفوا أنها ستروي يوما مرحلة كاملة من تاريخ الجزيرة. وبدا لي كل بيت قديم في زنجبار كأنه يقول: أنا أيضا لديّ حكاية، وصرت أشعر أن هذه الأماكن المتفرقة صفحات من كتاب واحد عنوانه : عُمان في زنجبار.أما أشد المحطات وقعا في نفسي فكانت بيت أحمد بن النعمان الكعبي وقبره. وُلد الرجل في البصرة، وأبحر مبعوثا للسيد سعيد بن سلطان على متن السفينة «سلطانة» إلى نيويورك عام 1840، ثم انتهت رحلته هنا. البيوت تحكي عن الحياة، والقبور تذكّرك بنهايتها. وقفت أمام القبر طويلًا أفكر في المسافة بين البصرة ونيويورك وهذا التراب. كم عُمانيا عبر البحر ولم يعرف أين ستنتهي رحلته؟ وكم منهم عاش في هذه الجزيرة حتى صار جزءا من ترابها؟ في تلك اللحظة صار البحر الذي أراه من بعيد طريق عمر كامل.في مسجد ماليندي ومعهد الاستقامةفي مسجد ماليندي توقفت طويلًا، فالحضور العُماني في شرق أفريقيا حمل معه الدين واللغة والعادات إلى جانب التجارة والسياسة، والمساجد هنا جزء من المشهد كما هي في عُمان. وحين تسمع العربية في بعض الأماكن، أو تلمح أثرها في الأسماء والمباني، تدرك أن البحر عجز عن الفصل بين الثقافات التي عبرته.غير أن المشهد الذي بقي معي أكثر من غيره كان في معهد الاستقامة الخيري، هناك تغيّر سؤالي؛ صرت أسأل الشيخ سالم عمّا بقي حيا من قيم العُمانيين ورسالتهم، بعد أن كنت أسأله عمّا تركوه خلفهم. رأيت طلبة وطالبات يتعلمون العربية ويحفظون القرآن، والمعهد يمدّ أعماله الخيرية إلى المجتمع من حوله. اللغة التي حملت إلى هذه الأرض كثيرا من ذاكرة عُمان ما زالت تتردد على ألسنة جيل جديد. وأنا أتأمل وجوههم خطر لي أن بعض آثار التاريخ لا يحتاج إلى متحف كي نراه؛ يكفي أن ننصت إلى طالب يتلو القرآن في جزيرة على الساحل الأفريقي.سماء تونغووفي منطقة تونغو استمعنا -أعضاء الوفد الصحفي- إلى تفاصيل مشروع القبة الفلكية العُمانية الزنجبارية، الذي تقدّم فيه سلطنة عُمان خبرات متخصصيها في علم الفلك. رفعت بصري إلى السماء التي استرشد بها أجدادنا البحّارة في عرض المحيط الهندي ليصلوا بين مسقط وزنجبار، وفكرت في أن أحفادهم يعودون إليها اليوم من النقطة ذاتها، بأدوات العلم هذه المرة.شممت رائحة عُمانفي الأيام الأخيرة من الرحلة صرت أبحث عن إحساس عُمان أكثر من مواقعها، ووجدته في أشياء صغيرة لكنها قيمة جدا، وجدتها في باب قديم وفي سوق شعبي وفي حديث رجل من أهل المكان عن تاريخه. وفي المساء، حين تهدأ المدينة وتخفّ حركتها، كانت زنجبار تنزع عنها ضجيج الحاضر وتترك لك شيئا من ماضيها. هناك وفي تلك اللحظة أدركت أن الصحفي الذي جاء لتغطية ملتقى صار -من غير أن ينتبه- مسافرا في ذاكرة مشتركة. الصحفي ينقل ما يرى، لكنه يحتاج أحيانا أن يذهب إلى المكان، فيمشي في شوارعه ويسمع أصواته ويشم رائحته، ويقف أمام بيوت رجاله وقبورهم، حتى يكتب عنه بصدق. وهذا ما منحتني إياه هذه الرحلة. ذهبت إلى زنجبار لأرى تاريخا قرأت عنه كثيرا، وعدت وأنا أشعر أنني عشت جزءا منه. رأيت فيها شيئا من حارات عُمان في أزقة المدينة الحجرية، وشيئا من حصونها في القلعة القديمة، وشيئا من أهلها في قبور رجال عبروا البحر ولم يعودوا. وفهمت هناك أن الوطن قد يعبر حدوده؛ يسكن بيتا بعيدا، أو يبقى حيا على لسان طالب يقرأ العربية على الضفة الأخرى من المحيط. وحين حان موعد الرحيل شعرت أنني أودّع مكانا أعرفه منذ زمن: جزيرة بعيدة.. تسكنها عُمان.
زنجبار.. جزيرة بعيدة تسكنها عُمان
ذهبت إلى زنجبار ضمن وفد جمعية الصحفيين العُمانية لتغطية الملتقى الصحفي العُماني التنزاني، وفي ذهني ما قرأته عنها في كتب التاريخ، غير أنني منذ خطواتي الأولى في شوارع الجزيرة عرفت أن...
الأخبار العاجلة تصلك أولاً على تلغرام
انضم لقناتنا لتتابع أهم الأخبار فور وقوعها، بدون تعقيد.