لم يكن لو يونغ يتخيل، حين شُخّص بسرطان الدم النخاعي المزمن عام 2002، أنه سيصل إلى يوم يناقش فيه مع أطبائه إمكانية التوقف عن تناول الدواء. كان همّه آنذاك أن يجد علاجا يستطيع تحمّل كلفته، وأن يواصل حياته.
وبعد 24 عاما، تناول أكثر من 35 ألف قرص، يزيد وزنها على 3.5 كيلوغرام. لكن الرجل البالغ 58 عاما، الذي ألهمت تجربته فيلما سينمائيا، يقترب الآن من خطوة انتظرها طويلا: محاولة العيش من دون جرعات يومية.
ففي أكتوبر/تشرين الأول 2026، وبعد تقييم حالته في المستشفى الأول التابع لجامعة سوتشو، وافق الأطباء على خفض جرعته إلى النصف لمدة 3 أشهر، يعقبها فحص جديد لتحديد إمكان وقف العلاج. ويأمل لو أن تكون جرعته الأخيرة في يناير/كانون الثاني 2027.
كان يونغ يعمل تاجرا للمنسوجات في مقاطعة جيانغسو شرقي الصين حين اكتشف إصابته بالمرض. ووصف له الأطباء دواء "غليفيك " الذي تنتجه شركة نوفارتس، لكن كلفته كانت باهظة، إذ بلغ سعر العبوة 23 ألفا و500 يوان (نحو 3400 دولار)، فيما وصلت كلفة الجرعة اليومية إلى 800 يوان (نحو 116 دولارا).
وبعد عامين من العلاج، استنزفت النفقات مدخراته، فبدأ البحث عن بديل أقل كلفة. وفي عام 2004، تعرف إلى دواء جنيس تنتجه شركة هندية ويحتوي المادة الفعالة نفسها. وبعد أن جرّبه ووجد فيه بديلا مناسبا، بدأ يساعد مرضى آخرين على الحصول عليه، لتنخفض كلفة العبوة إلى نحو 200 يوان (نحو 29 دولارا) مع اتساع دائرة المستفيدين.
كان استيراد الدواء الهندي غير مرخص في الصين آنذاك، وهو ما وضع يونغ في مواجهة مع السلطات. ففي عام 2013، أوقفته السلطات خلال تحقيق يتعلق باستخدام بطاقات مصرفية، ثم وُجهت إليه اتهامات شملت مخالفة قواعد إدارة البطاقات وبيع أدوية مزيفة.
لكن قضيته لم تبق شأنا قانونيا يخصه وحده، فقد تعاطف معه مرضى استفادوا من مساعدته، ووقع أكثر من 1000 منهم رسالة تطالب بإنصافه، مؤكدين أنه لم يكن يتاجر بمعاناتهم، بل يساعدهم على الحصول على علاج لم يستطيعوا تحمّل كلفته.
وفي يناير/كانون الثاني 2015، سحبت النيابة العامة في مدينة يوانجيانغ لائحة الاتهام من المحكمة، قبل أن تقرر في فبراير/شباط عدم إقامة الدعوى. وخلصت إلى أن يونغ لم يكن يبيع الأدوية، بل يساعد المرضى على شرائها من الهند من دون مقابل. لكنها أقرت بأن استخدامه بطاقات مصرفية مسجلة بأسماء أشخاص آخرين خالف القواعد المالية، من دون أن ترقى المخالفة إلى جريمة.
وبعد 3 سنوات، وصلت تجربة يونغ إلى الشاشة الكبيرة عبر فيلم "داينغ تو سيرفايف" (Dying to Survive) الذي عُرض عام 2018، واستلهم قصة المريض الذي تحول بحثه عن علاج ميسور إلى مساعدة آخرين ومواجهة مع السلطات.
وسلط الفيلم الضوء على معاناة مرضى السرطان مع ارتفاع أسعار الأدوية وصعوبة الحصول عليها. وفي السنوات التالية، شهدت الصين تغييرات في سياسات الدواء والتأمين الصحي، من بينها تعديل قانون الأدوية عام 2019، وتوسيع تغطية التأمين لعدد من العلاجات. ولا يمكن اختزال هذه التحولات في قصة يونغ أو الفيلم وحدهما، لكنها جاءت ضمن نقاش أوسع حول حق المرضى في الحصول على العلاج.
لم يكن العلاج الذي أبقى يونغ على قيد الحياة بلا ثمن جسدي، فبعد سنوات من تناوله، عانى آثارا جانبية بينها شحوب البشرة والتورم والإرهاق العضلي. ومع خفض الجرعة أخيرا، بدأ يلاحظ تراجع بعض هذه الأعراض، وهو ما عزز أمله في المرحلة المقبلة.
لكن وقف الدواء – إذا سمحت الفحوص بذلك – لا يعني انتهاء المرض أو ضمان عدم عودته، إذ تتطلب هذه الخطوة متابعة طبية منتظمة وفحوصا دورية، وقد يستدعي ظهور مؤشرات على عودة المرض استئناف العلاج.
وبعد أكثر من 35 ألف قرص، لا يبدو أن يونغ ينتظر أكثر من استعادة تفاصيل الحياة التي ظلت الجرعات اليومية تحدد إيقاعها طوال 24 عاما: أن يستيقظ من دون أن يكون الدواء أول ما يشغل باله، وأن يمضي يومه من دون أن يترقب موعد الحبة التالية.