هل من الممكن أن تمتد توقعات الطقس لأشهر طويلة في المستقبل؟ هذه الفكرة، التي طالما اعتبرت ضربا من الخيال، كشفت دراسة علمية جديدة أنها ممكنة علميا. حيث أظهر فريق بحثي دولي أن الحد الأقصى النظري للتنبؤات الجوية الدقيقة يمكن أن يصل إلى 129 يوما، بعده لا يمكن لأي تنبؤ جوي، مهما بلغت دقته، أن يقدم لنا أي معلومات عن المستقبل.
ضم الفريق البحثي باحثين من جامعة ميامي والإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي الأمريكية والأكاديمية الصينية للعلوم.
يشير مؤلفو الدراسة إلى أن هذا الحد المكتشف لا يعني إمكانية تقديم تنبؤات جوية واقعية، لكنه يحدّد ولأول مرة، سقفا نظريا لطموح الإنسان في التنبؤ بالغلاف الجوي، وهذا السقف أعلى بتسعة أضعاف من الأربعة عشر يوما التي لا تزال نماذجنا الحالية قادرة على تقديم معلومات مفيدة عنها.
بمعنى آخر، وكما صرّح زولتان توث الباحث في الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي الأمريكية وأحد المؤلفين الرئيسيين في حوار خاص مع الجزيرة نت، لا يزال هناك "مجال واسع للتحسين" لاستكشافه.
منذ بدايات التنبؤ بالطقس باستخدام نماذج المحاكاة في خمسينيات القرن الماضي، انشغل خبراء الأرصاد الجوية بسؤال ملح حول المدى الأقصى الذي يمكن تمديد أفق التنبؤ إليه.
وقد توقع عالم الرياضيات إدوارد لورنز، أبو "نظرية الفوضى" المعروفة بفكرة أن اضطراب الهواء الذي يحدثه جناح فراشة قادر على إحداث إعصار في الجانب الآخر من العالم وجود هذا الحد، ولكن حتى الآن، لم يتمكن أي من الباحثين من تحديد هذا الحد بدقة، لصعوبة قياس تأثير الأخطاء الطفيفة في دقة التنبؤات.
ويلخص البيان الصحفي الصادر عن معهد فيزياء الغلاف الجوي التابع للأكاديمية الصينية للعلوم، المأزق الذي وجد فيه هذا التخصص نفسه: فقد اعتمدت المناهج السابقة بشكل شبه كامل على رصد نمو الأخطاء الصغيرة بمرور الوقت، وهي طريقة عمياء بطبيعتها لأنها لا تكشف شيئًا عن الأخطاء التي لم تُرصد من قبل.
ويوضح وي تشانغ ذلك بوضوح في هذا البيان الصحفي: كيف يمكن للمرء أن يدّعي النجاح في التنبؤات طويلة المدى دون القدرة على إثبات ذلك بأي شكل من الأشكال؟
بدلا من استنزاف أنفسهم في البحث عن هذه الأخطاء، تساءل مؤلفو الدراسة الجديدة عما إذا كان هناك منظور مختلف جذريا لمعالجة هذا السؤال القديم، كما يقول زولتان. فبدلا من تتبع مسار الخطأ، انطلق الباحثون من القوانين الأساسية لتدفق الطاقة عبر غلافنا الجوي.
انطلق المؤلفون من فرضية مفادها أن المعرفة الدقيقة بالحالة الأولية للغلاف الجوي والقوانين الدقيقة التي تحكمه، ستمكن نماذج المحاكاة من الاحتفاظ بذاكرة هذه الحالة إلى الأبد، منتجة تنبؤات دقيقة للغاية. وهنا تكمن أهمية الإشعاع الشمسي المكون من فوتونات والذي يُغذي غلافنا الجوي باستمرار.
يشرح زولتان توث هذه الآلية بصورة واضحة في المقابلة بالقول إن هذه الفوتونات تدخل اضطرابات على جزيئات الهواء على أدق المقاييس، ومن هنا تحديدا ينشأ التشويش الذي سيؤثر في كل مكونات الغلاف الجوي تدريجيا. لأن الغلاف الجوي يعمل كشلال متدفق، فالطاقة المنبعثة من أصغر المقاييس تنتشر صعودا مكوِّنة دوامات متزايدة الحجم، حتى تصل إلى مستوى الكوكب نفسه.
هذه هي الآلية التي يطلق عليها الباحثون "نقطة تجديد الطاقة"، وهي اللحظة التي تُستبدل فيها كل الطاقة الموجودة في الغلاف الجوي بالطاقة الشمسية الواردة. بعد هذه العتبة، لا يبقى أي أثر للحالة الأولية بغض النظر عن دقة النموذج المستخدم.
ومن خلال الجمع بين إجمالي طاقة الغلاف الجوي مع تدفقات الإشعاع الواردة والصادرة المقاسة عند قمة الغلاف الجوي، توصل الباحثون إلى رقمهم الأساسي: 129 يوما، زائد أو ناقص سبعة أيام.
لا تعدّ هذه النتيجة مجرد فضول نظري، بل تعيد رسم خريطة التقدم الممكن تحقيقه في مجال التنبؤات الجوية. تقتصر حاليا فائدة التنبؤات على نحو أربعة عشر يوما. أما الأيام 115 المتبقية، وصولا إلى عتبة 129 يوما، فتقسّم إلى نصفين متناظرين، كل منهما نحو 57 يوما، كما تبيّن الدراسة.
يمثّل النصف الأول مكسبا حقيقيا وقابلا للاستغلال في دقة التنبؤ، بينما يمثّل النصف الثاني دقة هامشية بالكاد تتجاوز الصدفة، وستبقى فائدته محدودة في تطبيقات قليلة شديدة التخصص.
وبعبارة أخرى، هذا يعني أنه يمكن نظريا تحقيق نفس جودة التنبؤات الممكنة لخمسة أيام حاليا على مدى يصل إلى 62 يوما، كما يؤكّد البيان الصحفي لأكاديمية العلوم الصينية.
لكن هذا الاحتمال النظري قد لا يتحقق قريبا وفق زولتان الذي يقدم تقديرا كميا لمعدل هذا التقدم، إذ يكتسب مجال التنبؤات الجوية يوما واحدا من الموثوقية تقريبا كل عقد، وهو اتجاه موثّق منذ عقود. فجودة التنبؤات الجوية لأربعة أيام قبل عشر سنوات تشابه جودة التنبؤات لخمسة أيام اليوم.
يعمل الفريق حاليا على تأكيد هذا الرقم البالغ 129 يوما باستخدام أساليب مستقلة، وإذا ما تطابقت النتائج، سيحظى علم الأرصاد الجوية أخيرا بأفق نظري واضح يسعى إليه، بدلا من كونه لغزا استمر لسبعين عاما.