أكد د. فخري الفقي، رئيس لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب السابق، أن الاقتصاد المصري يواجه مرحلة تتطلب تطوير أدوات العمل الاقتصادي وتعزيز الانضباط المؤسسي، في ظل التحديات العالمية المتسارعة، مشيرًا إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة وأسعار الفائدة، إلى جانب التحولات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، تمثل أبرز التحديات التي ستؤثر على مسارات النمو والاستثمار خلال الفترة المقبلة.
وأوضح ، خلال مشاركته في مؤتمر «Egypt Economic Outlook» تحت عنوان «برنامج اقتصادي جديد لمصر وتعظيم دور القطاع الخاص»، أن الاقتصاد العالمي يشهد تحولات كبيرة تتطلب من مصر تبني نموذج اقتصادي أكثر مرونة وقدرة على التكيف، مع الاستفادة من التجارب الدولية الناجحة، خاصة الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي واليابان وكوريا الجنوبية.
وأشار الفقي إلى أن القاسم المشترك بين التجارب الاقتصادية الكبرى يتمثل في وجود منظومة منضبطة لإدارة النشاط الاقتصادي، سواء من خلال المؤسسات الديمقراطية الراسخة أو النظم التي تعتمد على الانضباط المؤسسي، مؤكدًا أن الالتزام بالقواعد والقدرة على اتخاذ القرارات وتنفيذها يمثلان شرطًا أساسيًا لتحقيق التقدم الاقتصادي، وأن العشوائية لا يمكن أن تقود إلى تنمية مستدامة.
وذكر أن الاقتصاد المصري، شأنه شأن الاقتصادات العالمية، يواجه ثلاثة تحديات رئيسية، أولها ارتفاع أسعار الطاقة، مشيرًا إلى أن متوسط سعر برميل البترول ارتفع من نحو 70 دولارًا إلى قرابة 100 دولار خلال فترة ثمانية أشهر، بزيادة تقدر بنحو 45%، وهو ما ينعكس على تكاليف الإنتاج ومعدلات التضخم.
وأضاف أن التحدي الثاني يتمثل في ارتفاع أسعار الفائدة عالميًا، نتيجة الضغوط التضخمية، وما يصاحب ذلك من توجه البنوك المركزية إلى تشديد السياسات النقدية، الأمر الذي يرفع تكلفة الاقتراض أمام القطاع الخاص ويؤثر على وتيرة الاستثمار والنشاط الاقتصادي.
ولفت إلى أن التحدي الثالث يرتبط بالثورة التكنولوجية والانتشار المتسارع للذكاء الاصطناعي، الذي أصبح عنصرًا مؤثرًا في مستقبل الإنتاج والتشغيل، لكنه في الوقت نفسه يفرض احتياجات متزايدة من الطاقة والبنية التحتية ومراكز البيانات، فضلًا عن تداعياته المحتملة على طبيعة الوظائف وسوق العمل.
وشدد الفقي على أهمية تطوير منظومة التعليم والتأهيل لمواكبة التحولات التكنولوجية، موضحًا أن الذكاء الاصطناعي يمتلك قدرات متقدمة في الحفظ والفهم والتحليل، إلا أن الإبداع والابتكار يمثلان المجال الذي يجب أن يركز الإنسان على تطوير قدراته فيه لتعزيز تنافسيته في المستقبل.
وأضاف أن التحولات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي قد تؤدي إلى اختفاء بعض الوظائف التقليدية وظهور وظائف جديدة، ما يتطلب إعداد الأجيال الجديدة بمهارات تمكنها من تأسيس مشروعاتها الخاصة والعمل لحسابها، بدلًا من الاقتصار على الوظائف التقليدية والعمل لدى الغير.
وأكد أن الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة لرفع الإنتاجية واختصار الوقت وتحسين كفاءة الأداء، لكنه يتطلب في المقابل التعامل مع آثاره الجانبية، وفي مقدمتها زيادة الطلب على الطاقة واحتمالات تغير هيكل سوق العمل.
وطرح الفقي مفهوم «الاقتصاد التشابكي» باعتباره أحد النماذج المقترحة لتعزيز مشاركة الأفراد في النشاط الاقتصادي، وتوسيع قاعدة الملكية، وتحويل القدرات الفردية والإبداع إلى مشروعات منتجة تحقق عوائد مستدامة.
وأوضح أن الفكرة تقوم على تجميع أصحاب المهارات والخبرات المختلفة في كيانات اقتصادية مشتركة، بحيث يتكامل كل فرد مع الآخرين وفقًا لقدراته، مع إتاحة الفرصة أمامهم لامتلاك حصص في الأصول والمشروعات بدلًا من الاكتفاء بتقديم الخدمات أو العمل مقابل أجر.
وضرب مثالًا بقطاع الإعلام، موضحًا إمكانية مشاركة مجموعة من المتخصصين، مثل مقدمي البرامج ورؤساء التحرير والإعلاميين، في شراء حصة من أصل اقتصادي، كجزء من ساعات البث التلفزيوني، بحيث يمتلك كل مشارك نسبة من الأصل ويحصل على نصيب من العوائد الناتجة عن تشغيله.
وأشار إلى إمكانية تطبيق الفكرة ذاتها في القطاعات الصناعية والإنتاجية، من خلال تجميع أصحاب الخبرات والقدرات المختلفة في مشروعات مشتركة، بما يتيح توزيع الملكية والعوائد وفقًا للحصص المملوكة لكل مشارك.
وأضاف أن هذا النموذج يمكن أن يسهم في تحويل الأفراد من مجرد قوة عمل إلى شركاء في امتلاك الأصول وتوليد الدخل، بما يعزز قدرتهم على مواجهة آثار التضخم من خلال امتلاك حصص في أصول تحقق عوائد اقتصادية.
وفي إطار الآليات المقترحة لتفعيل هذا النموذج، أشار الفقي إلى أهمية الاستفادة من الأشكال القانونية للشركات ذات المسؤولية المحدودة، التي تتيح مشاركة ما يصل إلى 50 فردًا، بما يسمح بتجميع المدخرات والمهارات وتكوين كيانات اقتصادية مشتركة.
وأوضح أن تأسيس هذه الشركات يمنح المشاركين إطارًا قانونيًا لتحديد حصص الملكية وتوزيع العوائد، مع توفير الحماية القانونية للذمة المالية الشخصية للمساهمين في حدود مسؤولياتهم وفقًا للقانون.
وأكد أن الهدف من الاقتصاد التشابكي هو رفع كفاءة استخدام الأصول، وتعزيز العمل الجماعي، وتوسيع فرص الاستثمار أمام الأفراد، خاصة الشباب الذين يمتلكون أفكارًا إبداعية وقدرات ابتكارية، بما يساعد على خلق فرص عمل جديدة وتحويل الأفكار إلى أنشطة اقتصادية ذات عائد.
وفي سياق متصل، أكد الفقي أن نجاح البرنامج الاقتصادي الجديد لمصر يرتبط بقدرة الدولة على تحقيق التكامل بين مؤسساتها والقطاع الخاص، وتطوير منظومة العمل الاقتصادي بما يضمن وضوح الأهداف والالتزام بآليات التنفيذ.
وأشار إلى أن الاقتصاد المصري يتحرك في محيط عالمي مليء بالتحديات، ما يتطلب الحفاظ على استقرار السياسات الاقتصادية وتعزيز قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات الخارجية، مع مواصلة تنفيذ الإصلاحات الهيكلية وتحفيز الاستثمار والإنتاج.
وأضاف أن ما شهدته مصر خلال السنوات الماضية من تطوير للبنية التحتية، وإنشاء الطرق والموانئ والمدن الجديدة، وتنفيذ مشروعات الطاقة التقليدية والمتجددة، إلى جانب دعم الصناعة والزراعة والسياحة والتكنولوجيا المتقدمة، يمثل قاعدة مهمة يمكن البناء عليها لدفع النمو الاقتصادي خلال المرحلة المقبلة.
وشدد على أن المرحلة الحالية تتطلب الانتقال من مرحلة تطوير البنية الأساسية إلى تعظيم الاستفادة من الاستثمارات القائمة، وزيادة مساهمة القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي، بما يدعم النمو ويوفر فرص العمل ويعزز تنافسية الاقتصاد المصري.
ظهرت المقالة فخري الفقي: «الاقتصاد التشابكي» نموذج جديد لتوسيع الملكية وخلق فرص العمل في مصر أولاً على أموال الغد.