في هذا المقال، نستعرض أبرز الآليات التي قد تفسر العلاقة بين الغذاء والصحة النفسية والأطعمة التي يمكن أن تدعم صحة الدماغ، والخطوات العملية لتحسين النظام الغذائي.
لطالما ارتبط علاج الاضطرابات النفسية، مثل القلق والاكتئاب، بالأدوية والجلسات النفسية، وهي وسائل علاجية مهمة وفعالة عند استخدامها بالشكل المناسب. لكن الأبحاث الحديثة توسّعت في دراسة عامل آخر قد يسهم في دعم الصحة النفسية، وهو النظام الغذائي الذي نتبعه يوميًا.
ويُعرف هذا المجال باسم «الطب النفسي التغذوي» (Nutritional Psychiatry)، وهو مجال يبحث في العلاقة بين الغذاء والصحة النفسية . وتشير دراسات متزايدة إلى أن نوعية الطعام قد ترتبط بالحالة النفسية، وأن اتباع نمط غذائي صحي قد يساعد في دعم الصحة العقلية، إلى جانب العوامل الأخرى المؤثرة فيها.
فالدماغ يحتاج إلى إمداد مستمر بالطاقة والعناصر الغذائية الضرورية لأداء وظائفه. ولا تتحدد جودة هذا الإمداد بعدد السعرات الحرارية وحده، بل تتأثر أيضًا بتنوع الغذاء ومحتواه من البروتينات والدهون الصحية والفيتامينات والمعادن ومضادات الأكسدة.
يعمل الدماغ باستمرار على تنظيم الأفكار والحركات والتنفس وضربات القلب وغيرها من الوظائف الحيوية، حتى أثناء النوم. وعلى الرغم من أنه يشكل نحو 2% من وزن الجسم، فإنه يستهلك قرابة 20% من الطاقة التي يستخدمها الجسم في حالة الراحة.
وتعتمد كفاءة الدماغ على حصوله على الطاقة والعناصر الغذائية اللازمة، ومن أبرز العوامل المرتبطة بذلك:
يُعد محور الدماغ والأمعاء من أهم المسارات التي يجري بحثها لفهم العلاقة بين الغذاء والصحة النفسية . وهو شبكة من الاتصالات المتبادلة بين الجهاز الهضمي والجهاز العصبي، تشمل الإشارات العصبية والهرمونية والمناعية والمواد التي تنتجها الميكروبات المعوية.
السيروتونين ناقل عصبي يشارك في تنظيم المزاج والنوم والشهية وبعض جوانب الإحساس بالألم. ويُنتَج معظم السيروتونين الموجود في الجسم في الجهاز الهضمي، لكن من المهم التوضيح أن السيروتونين الموجود في الأمعاء لا ينتقل مباشرة عبر الحاجز الدموي الدماغي ليؤدي الوظيفة نفسها داخل الدماغ.
ومع ذلك، يمكن للأمعاء التأثير في وظائف الدماغ من خلال مسارات أخرى، تشمل الإشارات العصبية والهرمونية والمناعية، إضافة إلى المركبات التي تنتجها البكتيريا المعوية.
تعيش في الأمعاء مجتمعات متنوعة من الميكروبات، تؤدي أدوارًا مهمة في صحة الجهاز الهضمي، منها:
وتشير الأبحاث إلى أن تركيب الميكروبات المعوية قد يرتبط بالحالة النفسية، لكن طبيعة هذه العلاقة لا تزال قيد الدراسة. كما أن النظام الغذائي يؤثر في هذه المجتمعات الميكروبية، إلا أن تأثير نوع معين من الطعام في أعراض القلق أو الاكتئاب ليس ثابتًا لدى الجميع.
لذلك، فإن تناول الألياف من الخضراوات والفواكه والبقوليات والحبوب الكاملة، إلى جانب الأغذية المخمرة المناسبة، قد يدعم صحة الأمعاء، لكنه لا يُعد علاجًا مستقلًا للاضطرابات النفسية.
تُعد الكربوهيدرات مصدرًا مهمًا للغلوكوز الذي يستخدمه الدماغ لإنتاج الطاقة. لكن تأثيرها في الجسم يختلف بحسب نوعها وكميتها، ومدى معالجتها، وما يُتناول معها من ألياف وبروتينات ودهون.
فالأطعمة الغنية بالسكريات المضافة والكربوهيدرات المكررة، مثل المشروبات المحلاة والحلويات وبعض منتجات الدقيق الأبيض، قد ترفع مستوى سكر الدم بسرعة، خصوصًا عند تناولها منفردة وبكميات كبيرة.
وقد تترافق التقلبات السريعة في مستوى السكر لدى بعض الأشخاص مع الشعور بالجوع أو التعب أو التهيج. أما انخفاض سكر الدم الحقيقي، فقد يؤدي إلى أعراض مثل التعرق والرجفة والخفقان والقلق، لكن هذه الأعراض لا تحدث بالضرورة بعد تناول السكريات لدى الأشخاص الأصحاء.
وفي المقابل، تساعد الأطعمة الغنية بالألياف، مثل الشوفان والحبوب الكاملة والبقوليات، على إبطاء امتصاص الكربوهيدرات وتحسين استجابة سكر الدم.
وقد ربطت بعض الدراسات طويلة الأجل بين الأنماط الغذائية الغنية بالسكريات المضافة والأطعمة المكررة وزيادة أعراض الاكتئاب. ومع ذلك، لا تثبت هذه الارتباطات وحدها أن هذه الأطعمة هي السبب المباشر، إذ تتداخل عوامل عديدة في العلاقة بين النظام الغذائي والحالة النفسية.
ومن الخيارات العملية المفيدة تقليل المشروبات المحلاة والحلويات، واختيار الحبوب الكاملة، وتناول وجبات متوازنة تحتوي على مصادر البروتين والألياف والدهون الصحية.
تبحث الدراسات في العلاقة بين الالتهاب المزمن منخفض الدرجة وبعض الاضطرابات النفسية، بما فيها الاكتئاب. وقد لوحظ لدى بعض المصابين بالاكتئاب ارتفاع في مؤشرات التهابية في الدم، لكن هذه الزيادة ليست موجودة لدى الجميع، ولا تكفي وحدها لتشخيص الاضطراب أو تفسيره.
وقد يتأثر مستوى الالتهاب بعوامل متعددة، مثل الأمراض المزمنة والتدخين وقلة النشاط البدني والنوم غير الكافي والنظام الغذائي.
قد يرتبط الإفراط في تناول الأطعمة فائقة المعالجة، واللحوم المعالجة، والمشروبات المحلاة، والأطعمة الغنية بالدهون غير الصحية، ضمن نمط غذائي غير متوازن، بزيادة بعض مؤشرات الالتهاب والمخاطر الأيضية.
لكن لا يصح اعتبار كل طعام معالج مضرًا بالضرورة، كما لا يمكن الحكم على أثر الغذاء في الصحة النفسية اعتمادًا على مكون واحد بمعزل عن النظام الغذائي الكامل.
يتضمن النمط الغذائي الصحي عادةً مجموعة متنوعة من الأغذية، مثل:
وقد وجدت دراسات أن الالتزام بنمط غذائي متوازن، مثل النظام المتوسطي، يرتبط بانخفاض خطر الإصابة بالاكتئاب في بعض الدراسات الرصدية. كما أظهرت بعض التجارب نتائج مشجعة بشأن تخفيف أعراض الاكتئاب، لكن قوة الأدلة تختلف بين الدراسات، ولا تزال النتائج المتعلقة بالقلق أقل اتساقًا.
تستطيع الإشارات الالتهابية التأثير في وظائف الدماغ من خلال تفاعلات معقدة تشمل الجهاز المناعي والمسارات العصبية واستقلاب بعض النواقل العصبية. وقد ترتبط هذه التغيرات لدى بعض الأشخاص بأعراض مثل التعب واضطرابات النوم وتراجع الدافعية أو فقدان المتعة.
ومع ذلك، فإن العلاقة بين الالتهاب والاكتئاب ليست بسيطة أو أحادية الاتجاه، ولا يمكن الجزم بأن خفض مؤشرات الالتهاب عن طريق الطعام وحده سيمنع الاكتئاب أو يعالجه. كما لا ينبغي تناول مكملات أوميغا 3 أو غيرها بجرعات علاجية دون مراعاة الحالة الصحية والأدوية المستخدمة واستشارة الطبيب عند الحاجة.
لا يتطلب تحسين العلاقة بين الغذاء والصحة النفسية اتباع حمية قاسية أو الامتناع التام عن مجموعات غذائية كاملة. والأفضل هو تبني تغييرات تدريجية يمكن الاستمرار عليها، مع الاهتمام بتنوع الطعام وكفايته.
يمكن البدء بخطوات بسيطة، مثل:
تساعد الألياف على تغذية بعض الميكروبات المعوية المفيدة، كما تدعم صحة الجهاز الهضمي. ويمكن الحصول عليها من:
ويمكن أيضًا إدخال الأغذية المخمرة، مثل اللبن أو الزبادي المحتوي على مزارع حية، ضمن النظام الغذائي إذا كانت مناسبة للشخص. لكن لا توجد أدلة كافية على أن تناول نوع معين من الأطعمة المخمرة أو مكملات البروبيوتيك يعالج القلق أو الاكتئاب بصورة مستقلة.
من المفيد تناول الأسماك بانتظام وفق التوصيات الغذائية المناسبة، وإدخال المكسرات والبذور ضمن الوجبات، واستخدام زيت الزيتون بدلًا من بعض مصادر الدهون المشبعة.
وتُعد بذور الكتان والجوز من المصادر النباتية لأحماض أوميغا 3، بينما توفر الأسماك الدهنية أنواعًا أخرى من هذه الأحماض. أما العدس، فهو مصدر جيد للبروتين النباتي والألياف، لكنه ليس مصدرًا رئيسيًا لأوميغا 3.
يمكن الاسترشاد بالنظام الغذائي المتوسطي، الذي يركز على الخضراوات والفواكه والبقوليات والحبوب الكاملة والمكسرات وزيت الزيتون والأسماك، مع الحد من اللحوم المعالجة والسكريات المضافة.
ولا توجد حاجة إلى تطبيق حمية «نظيفة» صارمة أو منع جميع الأطعمة المصنعة. وإذا أراد الشخص معرفة تأثير بعض العادات الغذائية في طاقته أو نومه أو مزاجه، فيمكنه تسجيل ما يتناوله وكيف يشعر على مدى فترة مناسبة، مع تجنب التقييد الغذائي المفرط أو استبعاد مجموعات غذائية كاملة دون سبب طبي.
على الرغم من وجود حقيقي لعلاقة بين الغذاء والصحة النفسية ، فإن الأدلة العلمية لا تبرر اعتبار الغذاء بديلًا عن العلاجات المعتمدة للاضطرابات النفسية.
قد يساعد تحسين النظام الغذائي على دعم الصحة الجسدية والنفسية، وقد يكون جزءًا مفيدًا من خطة الرعاية لدى بعض الأشخاص. لكن الاستجابة تختلف بحسب طبيعة الاضطراب وشدته، والحالة الصحية، والعوامل الاجتماعية والبيئية، والعلاجات الأخرى المستخدمة.
إذا استمرت أعراض الاكتئاب أو القلق، أو أثرت في النوم أو العمل أو العلاقات أو القدرة على أداء الأنشطة اليومية، فمن المهم طلب المساعدة الطبية أو النفسية. ولا ينبغي إيقاف الأدوية النفسية أو تغيير جرعاتها دون استشارة الطبيب.