بإغلاق متاجرهم والتوقف عن العمل، اختار مهاجرون في مدينة هاله شرقي ألمانيا أن يجعلوا غيابهم رسالة احتجاج على تصاعد العنصرية والتمييز ضدهم، مؤكدين أن استمرار الحياة الاقتصادية والاجتماعية في المدينة يرتبط بإسهاماتهم في قطاعات حيوية، وأن غيابهم سيجعلها أشبه بـ"مدينة أشباح".
وفي قصة أعدتها الصحفية شروق غنيم لمنصات الجزيرة، نفذ مهاجرون وأصحاب متاجر إضرابا حمل شعار "هاله من دوننا؟"، وشاركوا في مسيرة احتجاجية بشوارع المدينة، رفعوا خلالها لافتات مناهضة لليمين المتطرف، بينها مطالب بحظر حزب البديل من أجل ألمانيا.
وقال أحمد سالم -وهو أحد أصحاب المتاجر المشاركين في الإضراب- إن المهاجرين يعملون ويسهمون في خدمة المجتمع الألماني، وإن غيابهم سيترك أثرا واسعا في حياة المدينة، بدءا من المدارس ورياض الأطفال، وصولا إلى المتاجر وقطاع الرعاية الصحية.
وأضاف سالم، الذي يقيم في هاله منذ نحو 10 سنوات ويعمل في تجارة الأزهار منذ عام 2019، أن المهاجرين يشكلون جزءا مهما من النشاط التجاري والاقتصادي، وأن أعمالهم ومشروعاتهم تمثل إسهاما مباشرا في اقتصاد البلاد.
وربط سالم الإضراب بتصاعد الخطاب المعادي للأجانب وسياسات الترحيل التي يدافع عنها حزب البديل من أجل ألمانيا، معتبرا أن إغلاق المتاجر يوجه رسالة واضحة بشأن مكانة المهاجرين ودورهم في المجتمع الألماني.
بدورها، قالت مؤسسة مبادرة "ميغرا شتارك" (المهاجرون الأقوياء) دلال ميروز إن المبادرة تسعى إلى تسليط الضوء على العنصرية والتحيز اللذين يتعرض لهما المهاجرون في المدينة والولاية، موضحة أن تصاعد خطاب الكراهية كان الدافع وراء إطلاق التحرك الاحتجاجي.
وأضافت دلال، التي تعيش في هاله منذ وصولها إلى ألمانيا عام 2015، أن المهاجرين يشاركون يوميا في النشاط الاقتصادي والاجتماعي للمدينة، لكنهم يواجهون ممارسات عنصرية تبدأ بالإهانات اللفظية والتمييز في التعامل، وقد تصل إلى الاعتداءات الجسدية.
وأوضحت أن بعض المهاجرين يسمعون عبارات تطالبهم بالعودة إلى بلدانهم، وأخرى تتهمهم بتخريب ألمانيا، وهو ما دفعها إلى البحث عن وسيلة احتجاج تجعل المجتمع يلمس حجم إسهاماتهم، وتدفع إلى الاعتراف بدورهم في الحياة العامة.
وكشفت دلال أنها فكرت في مغادرة المدينة بسبب الأجواء التي تشهدها، لكنها قررت البقاء والدفاع عن حقها في العيش بكرامة، بعدما وجدت في هاله الاستقرار والأمان منذ وصولها قبل أكثر من 10 سنوات.
في حين قالت آيات حمدي -وهي ناشطة مقيمة في هاله منذ نحو 20 عاما- إن مشاركتها في الإضراب جاءت دفاعا عن حقوق المهاجرين ورفضا للعنصرية، خصوصا مع ما تواجهه النساء والأسر المسلمة من مواقف تمييزية ومخاوف متزايدة.
وأوضحت آيات -التي تعمل على مساعدة الأسر المسلمة والأمهات في تربية أطفالهن- أن مظاهر التمييز ظهرت في مواقف مع نساء وأطفال داخل المدارس، إلى جانب تجارب في أماكن العمل، مشيرة إلى تنامي هذه المخاوف عقب الانتخابات الأخيرة.
وأشارت إلى أن القلق يتجاوز التعاملات اليومية، ليشمل احتمال إقرار قوانين جديدة تقيد ارتداء الحجاب أو ممارسة الشعائر الدينية، وهو ما يثير تساؤلات لدى الأسر المسلمة بشأن مستقبلها وحقوق أبنائها في ألمانيا.
بدوره، قال سعيد سعيد -المتحدث باسم مجلس اللاجئين في ولاية ساكسونيا أنهالت- إن الشهادات التي يرويها المهاجرون بشأن الإهانات والتمييز تعكس تغيرا في المناخ الاجتماعي، بالتزامن مع تصاعد الخطاب السياسي المعادي للهجرة.
وأوضح سعيد أن أطفالا تعرضوا لمواقف تمييزية في المدارس، في حين واجه بالغون ممارسات عدائية في أماكن العمل ووسائل النقل والأماكن العامة، وصلت في بعض الحالات إلى الاعتداء الجسدي، الأمر الذي ينعكس على شعور المهاجرين بالأمان والاستقرار.
وأكد أن ألمانيا دولة قانون، وأن نتائج الانتخابات لا تعني ترحيل الأشخاص من أصول مهاجرة أو إقصاءهم تلقائيا، لكنه لفت إلى أن المخاوف المتعلقة بالإقامة ولمّ شمل الأسر ومستقبل الأطفال باتت تؤثر في حياتهم اليومية.
وشدد المتحدث باسم مجلس اللاجئين على أهمية مواجهة الممارسات العنصرية وحماية حقوق المهاجرين، في ظل انعكاس الخطاب المعادي للهجرة على تفاصيل حياتهم، من المدارس وأماكن العمل إلى الفضاءات العامة، وتزايد شعورهم بالقلق إزاء مستقبلهم.