بقلم د. الحسين بويشو*
في المغرب، يكفي أن تقف عند مدخل أي مركز قروي صباح يوم سوق أسبوعي لتفهم المفارقة كاملة: شباب كثيرون، حركة نشيطة، هواتف ذكية في كل يد، ثم سؤال واحد يتكرر بصيغ مختلفة: «واش كاين شي خدمة هنا؟». ليست المشكلة في غياب الطاقات، بل في غياب الاقتصاد القادر على استيعابها.
فالعالم القروي ما يزال يحتضن، وفق نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، نحو 13,7 مليون نسمة، أي أكثر من ثلث سكان المملكة. غير أن هذا الثقل الديمغرافي لا يقابله ثقل اقتصادي مماثل. والدليل جاء صريحاً في الحصيلة السنوية لسوق الشغل الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط: خلق الاقتصاد الوطني سنة 2025 ما مجموعه 193 ألف منصب شغل، لكن الوسط الحضري ربح 203 آلاف منصب، بينما فقد الوسط القروي 10 آلاف منصب صافٍ، وخسر قطاع الفلاحة والغابات والصيد وحده 41 ألف منصب. بعبارة أخرى، نما الاقتصاد، لكن القرية خرجت من السنة أفقر في فرص العمل.
قد يبدو هذا متناقضاً مع رقم آخر يتداوله كثيرون بارتياح: معدل البطالة في الوسط القروي منخفض. ففي الفصل الثاني من سنة 2026، ووفق المنهجية الجديدة التي اعتمدتها المندوبية في «بحث القوى العاملة»، لم تتجاوز البطالة بمعناها الدقيق 5,4 في المائة في القرى مقابل 11,9 في المائة في المدن. لكن هذا الرقم المطمئن هو أكثر الأرقام خداعاً في النقاش العمومي. فالشاب القروي نادراً ما يُسجَّل عاطلاً؛ إنه يشتغل في الضيعة العائلية دون أجر، أو في أعمال موسمية متقطعة، أو يغادر سوق الشغل كلياً. ولذلك ارتفع الشغل الناقص في الوسط القروي سنة 2025 إلى 13,2 في المائة، مقابل 9,6 في المائة في المدن، أي أن البطالة القروية لا تختفي، بل تتنكر.
ويكشف مؤشر آخر حجم هذا الخلل بوضوح أكبر: نسبة الشباب الذين لا يشتغلون ولا يدرسون ولا يتابعون أي تكوين. فحسب الدراسة التي أنجزتها المندوبية السامية للتخطيط بشراكة مع منظمة العمل الدولية، بلغ عدد هؤلاء سنة 2023 نحو 2,94 مليون شاب تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة، أي 33,6 في المائة من هذه الفئة، مع نسبة أعلى في الوسط القروي (35,4 في المائة) منها في الوسط الحضري. أما الشابات فهن الحلقة الأضعف: فقد كشفت معطيات المندوبية لسنة 2022 أن أكثر من نصف القرويات بين 15 و24 سنة (51,5 في المائة) يوجدن خارج الشغل والدراسة والتكوين. هنا لا نتحدث عن بطالة، بل عن طاقة بشرية معطلة بالكامل.
أمام هذه الصورة، لم تبق الدولة مكتوفة الأيدي. فاستراتيجية «الجيل الأخضر 2020-2030» وضعت الشباب في قلب رهاناتها، ووعدت بإحداث 350 ألف فرصة شغل لفائدتهم، وتعبئة مليون هكتار من الأراضي الجماعية، وبروز طبقة وسطى فلاحية تضم ما بين 350 و400 ألف أسرة. وإلى جانبها، تعددت برامج دعم المقاولة والتشغيل، ومحور الشباب في المبادرة الوطنية للتنمية البشرية. غير أن الأرقام الرسمية نفسها تدعو إلى التساؤل: ففي دجنبر 2024، أي في منتصف عمر الاستراتيجية تقريباً، كان عدد الشباب الذين استفادوا من الدعم والمواكبة في إطارها يقارب 10 آلاف شاب حسب ما عرضه وزير الفلاحة آنذاك. المسافة بين 10 آلاف و350 ألفاً ليست تفصيلاً تقنياً، بل مؤشر على أن الإشكال لا يكمن في الطموح، بل في آليات التنفيذ.
وهنا يكمن جوهر المسألة. فالسياسات الموجهة إلى الشباب القروي بُنيت في الغالب على فرضية ضمنية مفادها أن الشاب يحتاج إلى «دعم» كي يبادر: قرض، أو منحة، أو تكوين قصير. لكن الشاب الذي يحصل على قرض لإحداث مشروع لتربية النحل أو لتثمين منتوج محلي يصطدم بعد أشهر قليلة بواقع أقسى من غياب التمويل: لا أرض يمكن استغلالها بعقد مضمون، ولا سوق قريبة تشتري منتوجه بسعر عادل، ولا وحدة تحويل تمنحه قيمة مضافة، ولا خدمات إدارية وتقنية في المتناول. إن المقاولة القروية لا تفشل لأن صاحبها لم يُموَّل، بل لأنها وُلدت في مجال يفتقد شروط الحياة الاقتصادية.
ومن ثمّ، فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن تطرحه الحكومة الجديدة على نفسها، في مستهل الولاية التشريعية 2026-2031، ليس: كم برنامجاً إضافياً نحتاج؟ بل: كيف نعيد بناء الجاذبية الاقتصادية للمجالات القروية؟ فالشاب لا يغادر قريته لأنه يرفضها، بل لأنها لا تمنحه سبباً اقتصادياً للبقاء. وما لم تتحول القرية من فضاء طارد إلى مجال منتج للثروة والشغل، ستظل كل البرامج الموجهة للشباب أشبه بصبّ الماء في إناء مثقوب.
إن بناء هذه الجاذبية يمر، في تقديري، عبر ثلاثة تحولات أساسية. أولها الخروج من الارتهان شبه الكلي للفلاحة. فما يزال هذا القطاع يشغّل قرابة ربع المشتغلين على الصعيد الوطني، لكنه قطاع رهين بالمطر، تتقلص قدرته على الاستيعاب مع توالي سنوات الجفاف وتجزؤ الاستغلاليات. ولذلك لم يعد ممكناً الحديث عن تشغيل الشباب القروي دون اقتصاد قروي غير فلاحي حقيقي: وحدات للتحويل والتلفيف، وخدمات للقرب، وسياحة قروية، وصناعة تقليدية مرتبطة بالأسواق، وخدمات رقمية يمكن إنجازها من أي مكان.
والتحول الثاني هو الانتقال من دعم الأفراد إلى بناء سلاسل القيمة المحلية. فالتعاونية الصغيرة أو المقاولة الناشئة لا تستطيع وحدها مواجهة السوق، لكنها تستطيع ذلك حين تندمج في سلسلة تربط الإنتاج بالتجميع والتحويل والتسويق. وهنا تبرز آليات قائمة لم تُستثمر بما يكفي، كالتجميع الفلاحي والفلاحة التعاقدية، التي تضمن للمنتج الصغير منفذاً مستقراً ودخلاً أكثر انتظاماً، وتمنح الشاب المقاول فرصة الاشتغال داخل منظومة بدل الاشتغال في عزلة.
أما التحول الثالث فهو ترابي بامتياز: جعل المراكز القروية الصاعدة أقطاباً اقتصادية حقيقية، لا مجرد تجمعات سكنية. فهي الحلقة المفقودة بين الدوار والمدينة، وهي القادرة على احتضان الخدمات والتكوين المهني والتمويل وفضاءات العمل، بما يقرّب الفرصة من الشاب بدل أن يُجبَر هو على قطع مئات الكيلومترات بحثاً عنها.
ولكي لا تبقى هذه التوجهات مجرد نوايا، يمكن للحكومة أن تلتزم، خلال ولايتها، بأهداف قليلة لكن قابلة للقياس: خفض نسبة الشباب القرويين خارج الشغل والدراسة والتكوين، مع هدف خاص بالشابات؛ وتحقيق رصيد صافٍ موجب لمناصب الشغل القروية غير الفلاحية كل سنة؛ ونشر حصيلة سنوية علنية لبرامج توطين الشباب، تقارن بين الأهداف المعلنة والإنجازات الفعلية؛ وتمكين الشباب من الولوج المؤمَّن إلى العقار، خصوصاً الأراضي الجماعية، عبر عقود كراء طويلة الأمد. فالسياسة التي لا تُقاس نتائجها لا يمكن تقويمها، والوعود التي لا تُتابَع تتحول سريعاً إلى خيبة جديدة.
لقد جرّب المغرب خلال العقدين الماضيين نموذجاً ناجحاً في تحديث البنيات التحتية القروية: الطرق والكهرباء والماء. واليوم، يواجه تحدياً من نوع آخر، أعمق وأصعب: تحويل هذه البنيات إلى اقتصاد. فالطريق التي توصل الشاب إلى المدينة بسرعة أكبر، قد تتحول، إن لم تواكبها فرص محلية، إلى طريق للرحيل لا للعودة.
إن مستقبل العالم القروي لن يُكتب في الحقول وحدها، ولا بالبرامج المتراكمة وحدها، بل بقدرتنا على أن نجعل البقاء في القرية قراراً اقتصادياً عقلانياً، لا تضحية ولا قدراً. وذلك هو الاختبار الحقيقي للحكومة الجديدة: ليس أن تعطي الشباب القروي مزيداً من الوعود، بل أن تمنحه أسباباً للثقة في أن مستقبله يمكن أن يُبنى حيث وُلد.
* د. الحسين بويشو، باحث في الاقتصاد الزراعي والتنمية القروية، دكتور في العلوم الاقتصادية والاجتماعية المطبقة على الفلاحة، خريج معهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة.